لويجي بيرندلو: مسرَحَةُ الألم

 

 أديب كمال الدين

  في مسرحيات الكاتب الإيطالي الشهير: لويجي بيرندلو (1837 ـ 1936) -الذي نال جائزة نوبل للآداب عام 1934 - تتسع حدقة الألم إلى أقصاها، الألم الشخصي الذي كان الشرارة الأولى ـ حيث تعرّض لويجي وعائلته إلى نكبات عديدة ـ التي عمّقت أبجديته فصارت حروفاً ذات أفكار ضارية، وأسئلة محتدمة، وألوان عنيفة، هكذا جاءت مسرحياته: (الحياة التي وهبتها لك)، (الليلة نرتجل)، (ست شخصيات تبحث عن مؤلف)، (حسب تقديرك)، (هنري الرابع)، (لذة الأمانة)، (لعبة الأدوار)، (لا أحد يعرف كيف حدث)، (كل شيخ له طريقة)، (سيد الباخرة)، لتترك أثراً رائعاً على مسيرة المسرح العالمي في القرن العشرين، وليتأثر بها كبار كتاب المسرح في العالم من أمثال: صاموئيل بيكيت، جان جنيه، يوجين يونسكو، جان جيرودو، جان أنوي، ادوارد ألبي، ثورنتون وايلدر ورائد المسرح الأمريكي: يوجين أونيل.

ولد لويجي بيرندلو عام 1837 في صقلية من أبوين صقليين، وكان ـ كما يصف نفسه ـ معتل الصحة، خائر القوى، وتعرّض أبوه الذي كان يعمل تاجراً للكبريت إلى الإفلاس، وكانت هذه هي الصدمة الأولى التي أضطرت لويجي وعائلته إلى التنقل بين المدن الإيطالية بحثاً عن رغيف الخبز.

وحين جاء عام 1894 ارتبط لويجي بماريا بورتولانو بعد أن أكمل دراسته الجامعية في روما، وكان زواجاً أشبه بالكارثة التي تمشي على قدمين، فلقد عانى لويجي من غيرة زوجته العمياء، فكان جو المنزل مليئاً بالمشادات التي لا تنتهي، ثم أصيبت الزوجة بلوثة في عقلها، بعد أن تعمّقت غيرتها أكثر فأكثر، وبعد أن دبّ الشلل في ساقيها، وبعد أن شارك ولداها: استيفانو وفاستو في الحرب العالمية الأولى وأضحيا بعضاً من خراب هذه الحرب، فكانت أن وُضِعتْ ماريا في مصحٍ عقلي، واضطر لويجي إلى هجر عائلته.

لقد احترق بيرندلو بكل هذا الألم العبقري الذي منحه فرصة ذهبية لا تعوض للإبداع ليكون من ثم رفيقاً حيقيقاِ للقلم يبثه أوجاعه ولغته المرة المتآكلة من الحزن، وليفتح الباب على مصراعيه للقلق كي يدخل في قصصه أولاً وفي مسرحياته ثانياً ويعيش وينمو، هكذا أضحى نتاجه الإبداعي عالماً يعكس تلك الحيرة العميقة التي لفت لويجي ويعكس دواوين الأسئلة التي كان يحملها معه دوماً إزاء الحياة ومغزاها صورة ناطقة لمعنى الاستلاب الذي تحققه الحيرة في روح الإنسان وهو يبحث عن الحقيقة أيان مرساها!

 إن هذا الألم أطلق في روح بيرندلو جذوة الأسئلة الكبرى: أسئلة من نوع: من أنا؟ ومن أكون؟ وهل أستطيع أن أقول حقاً ؟ إنني أنا أم إنني شيء آخر: خيال، صدى، زوال، هذيان؟ وحين أتحدث إلى الناس، فهل حقاً انهم يفهمون ما أعنيه بالضبط أم انهم يتظاهرون بذلك؟ هل إننا جميعاً نرى الواقع كما هو أم إن الواقع يتشظّى عند بعضنا ليكون هو الوهم؟ هل اننا نرى الأشياء بصورة متقاربة أم ان الاختلاف بيننا يقود إلى رؤية الأشياء بشكل مختلف تماماً بحيث تختلف الأشياء نفسها، في النهاية حتى في أسمائها؟

إن فن بيرندلو ـ كما يقول محمد إسماعيل محمد في ترجمته للجزء الثالث من أعمال هذا الكاتب الكبير ـ يكشف عن التناقض بين الحياة والصورة، فالحياة لكي تضطرد لابد من أن تتآكل، ولكي تتشكّل لابد من أن تكون لها صورة ثابتة ومن ثم يكون التناقض والصراع الدائم بين ضرورات الحياة الديناميكية ومتطلباتها الاستاتيكية.

  يقول بيرندلو: إن الحياة لون من التناقض الجدلي بين الحركة والصورة، وفي مسرحياته المتأخرة حاول أن يظهر هذا التناقض فتناوله من خلال يأس الإنسان من إدراك أيّ شيء عن نفسه، أو عن العالم الذي يحيط به، ولكن هذا المعنى في الواقع لا يفسر كل الاتجاهات التي وردت في أعمال بيرندلو المبكرة، تلك الأعمال التي تكشف أيضاً عن طرافته وجدة فنه، ففي مسرحياته الأولى التي ضُمّتْ بعد ذلك في مجموعة واحدة تحت اسم:" الأقنعة المكشوفة"، وتقل قليلاً عن عشرين مسرحية، ركّز بيرندلو على فضح الأكاذيب وكشف سخرية الحياة وتهافت الحقيقة المفترضة، عن طريق تمزيق الأقنعة التي يصنعها الرياء والكذب والتصنع، وعن طريق تناول الشخصية الإنسانية وهل هي في حقيقتها كما يراها الإنسان من داخل نفسه أو كما يراها الآخرون، الأصدقاء والأعداء على السواء، وهنا تكمن المأساة.. مأساة الإنسان الذي تعذبه أسرار شخصيته، والذي يضطرب كيانه لمحاولة معرفة الحقيقة، الإنسان الذي لا يعرف إلا الحاجة المستمرة إلى ضرورة ملاءمة كيانه مع صورة من صور الحياة العديدة المتلاحقة، فتعصف الحياة الدافعة التي لا ترحم بكل تدبير من صنع هذا الكيان الهش، وتصل المأساة إذ ذروتها حين يدرك هذا الإنسان المعذب البائس مهما فعل، فليس في مقدوره أن يتبادل التفاهم مع بني جنسه حيث معاني وقيم الأشياء في عالم الآخرين فيمسي وحيداً في هذا العالم.

  إن أهمية بيرندلو المسرحية تكمن في أسباب عديدة، أولها: تطويره لمفهوم المسرح في القرن العشرين شكلاً ومضموناً فمسرحية (ست شخصيات تبحث عن مؤلف) كما يقول الناقد جون لينستروم لها أهميتها في تطورالمسرح في القرن العشرين، وحين مُثّلت للمرة الأولى عام 1921 فإنها كانت في مقدمة مسرحيات زمنها، ليست فقط بسبب شكلها المسرحي المتميز بل بسبب فكرتها الشديدة الأصالة والدهشة، ورغم مرور فترة طويلة على كتابتها، فإنها لم تزل مسرحية مليئة بالقوة والعنفوان.

أما السبب الثاني فهو أن كتاباته كانت واحدة من مصادر مسرح العبث الذي سيتألق فيما بعد، على يد صاموئيل بيكيت وجان جنيه ويوجين يونسكو، فأسئلته عن الكينونة ومغزاها: من أنا ومن أكون؟ وأسئلته عن الخلاص وعبث انتظار الخلاص، وأسئلته عن اللغة وجدواها وتشكيكه في جدواها، هي أهم ركائز مسرح العبث.

السبب الثالث ـ وربما هو الأهم ـ هو تأثيرات بيرندلو الواضحة على كبار كتاب المسرح في العالم.

هكذا تأثر به الكاتب الفرنسي الكبير جان جيرودو من خلال مسرحيته الشهيرة (سيجفريد) يصف محمد إسماعيل محمد هذا التأثر قائلاً: علّ التقارب الشديد بين مسرحيتي (هنري الرابع) ـ تأليف بيرندلو و(سيجفريد) لم يكن في خطوطهما العامة فحسب، بل في أدق التفاصيل.

أما تأثيراته على الكاتب الفرنسي: جان أنوي فيقول عنها مترجم بيرندلو إلى العربية: استخرج أنوي من التدريب على تمثيل المسرحيات أو ما يجري وراء الكواليس أو من تقديم العمل المسرحي على المسرح موضوعاً لبعض مسرحياته، فعهد إلى الشخصيات المسرحية بالقيام ببعض الأدوار كممثلين، وخلق بذلك، على خشبة المسرح ما يُسمى بالتمثيل داخل التمثيل. هذا من حيث التقارب في الشكل بين مسرح جان أنوي ومسرح بيرندلو أما من حيث الموضوع فقد صوّر كلاهما الشعور بالقلب الذي ينتاب الإنسان وما يعانيه من ضيق . تناول كلاهما شخصياته المسرحية بالتشريح في غير شفقة ونزع عنها في قسوة كلّ الأقنعة التي تحاول أن تتستر خلفها وجعلها ترفض الأقنعة التي يحاول الغير فرضها وإرغامها على التقنع بها، وغالبا ما تعجز هذه الشخصيات عن التستر فتعتزل وتعيش في وحدة قلقة أو تتمرد على ما يراد لها من أقنعة إلى حد يوردها موارد التهلكة.

في حين بدت تأثيرات بيرندلو على المسرح الأمريكي واضحة على أكثر من اسم لامع، فقد تأثر رائد المسرح الأمريكي: يوجين أونيل بمسألة الصراع بين الوعي واللاوعي ـ كما طرحها لوجي بيرندلو من قبله ـ أي الصراع بين الصورة الوهمية للذات والصورة الحقيقية لها، وكان بيرندلو قد استقى هذه المسألة من أفكار فرويد.

أما تأثر الكاتب المسرحي الأمريكي ثورنتون وايلدر ببيرندلو فيتلخص في اتباعه لنظرة الكاتب الإيطالي الفلسفية، في أن الحياة مسرح كبير يؤدي الناس فيه أدوارهم دون أن يستطيعوا تغييرها أو تبديلها. هذا على صعيد المضمون، أما على صعيد الشكل، فلقد اتبع وايلدر تقنيات بيرندلو في الديكور، والاضاءة والستار المرفوع قبل بدء المسرحية.

 

 

          

              

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

الصفحة الرئيسية