قصائد جديدة

 

شعر: أديب كمال الدين

 

أديب كمال الدين

 

 

أديب كمال الدين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

محمد علي كلاي

شعر: أديب كمال الدين

 

في صِقِلِّية

رأيتُ كفَّ الفارسِ الذي طردَ القادمين عبرَ البحر

بحجمِ أكذوبةٍ ماثلة،

مثلما كانتْ كفُّ طاغيةِ العراق

أكذوبةً هائلة

صاغها الفنُّ الأجير

ذاتَ ليلٍ طويل.

كلتا الكفّين آتتْ من البهتانِ بحراً وبحراً.

لكنَّ كفّكَ كانتْ أسطورة،

أسطورة أصابعها القوّة والرقص.

وحروفها رسالة حُبٍّ ضدَ أزيز الكراهية

ودموعِ التماسيح.

قلبُكَ كانَ مستودعاً لطيورِ السلام

لا لطبولِ الحرب،

ورأسكَ شمساً للذي يقولُ للشيء كنْ فيكون.

هكذا اكتملتْ لغةُ السّحْرِ عندكَ بيضاءَ بيضاء

فكانَ عجيباً موتُكَ بكفٍّ تهتزُّ مثل سعفةٍ في الريح!

 

 

 

 

رقصة الدرويش

 

 

 

أتعبني الدرويشُ الذي يسكنُ أعماقي

فهو لا يكفُّ عن الرقص

آناءَ الليلِ وأطرافَ النهار.

*

هو يرقصُ حيث الناس بوجوهٍ كالحةٍ

يبيعون ويشترون أشلاءَ حياتهم.

وهو يرقصُ حينَ يرفعون،

بأيدي الكراهيةِ والحقد،

سكاكينهم ليمارسوا لعبةَ الدم

بشغفٍ جنونيّ

أو حينَ يشتمون بعضهم بعضاً بألسنةِ البغال

أو حينَ يسكرون أو يهذون أو يبكون

أو حينَ يضيعون أو يغرقون.

*

لا القتلة يفهمون رقصه العجيب

ولا السكارى

ولا الذين يهذون أو يبكون

أو يضيعون أو يغرقون.

*

لا السكاكين تفهمُ رقصه الغريب

ولا أيدي الكراهية والحقد

ولا ألسنة البغال

ولا كؤوس السكارى

ولا طرقات الضياع

ولا مراكب الغرقى.

*

أشفقُ عليه من سوء الفهمِ الذي لا ينتهي

وأشفقُ عليه وهو في رقصته يدورُ ويدورُ ويدور.

وحينَ أتعبُ من شَفَقَتي البائسةِ العاجزة

حدّ أنْ أنهارَ أو أجنّ

أتعرّى تماماً

وأرقص معه رقصةَ الدرويش.

 

 

 

 

هاملت منتحراً

 

 

حينَ عرفَ هاملت

أنَّ الناسَ في كلِّ مكان

ملّوا حدّ اللعنة

من حيرته السوداء

وتردّده الأسْوَد،

قرّرَ أنْ يختفي من المسرحِ إلى الأبد.

في اليومِ التالي

عرضتْ مسارحُ الأرض،

في مشارقِ الأرضِ ومغاربها،

ما لا يُحصى من مسرحياتِ أميرِ الدنمارك

مثّلها مجانين وأنصافُ مجانين

وأرباعُ مجانين بالطبع.

وكانتْ أكثرها إدهاشاً للجمهور :

هاملت وكلكامش والأفعى.

هاملت في بابل يتعرّى.

هاملت والسندباد البحريّ.

هاملت الفرعونيّ.

هاملت النفطيّ يتكلّمُ السنسكريتيّة.

هاملت يلعبُ الروليت في الخيمةِ الصحراويّة.

هاملت بالقُبّعةِ المكسيكيّةِ والسيجارِ الكوبيّ.

هاملت بعيونِ القطِّ وشواربِ هتلر.

هاملت يفتتحُ متحفاً سرّيّاً في مدغشقر.

هاملت في اليوتيوب

يبكي اللاجئين الغرقى وسطَ البحر.

هاملت يطلبُ العفوَ من الطغاة.  

هاملت يشربُ العرقَ المغشوشَ ليلَ نهار.

هاملت يلقي خطابَ الفيسبوك

بدلاً من خطابِ العرش.

هاملت من دونِ هاء أو تاء.

هاملت برأسين وعينٍ واحدة.

هاملت المُتحوّلُ جنسيّاً.

هاملت مُنتَحِلاً.

هاملت مُنتَحِراً.

 

 

 

ألم

الألمُ شاعرُ قصيدتي

أنا حرفهُ العاطلُ عن النقطة.

الألمُ مُطربُ قصيدتي

أنا حرفهُ المُصابُ بالصَمم.

الألمُ طبيبُ قصيدتي

أنا حرفهُ المُصابُ بانفصامِ المعنى.

الألمُ قائدُ قصيدتي

أنا حرفهُ الذي عَوّقته الحرب.

الألمُ مَلِكُ قصيدتي

أنا حرفهُ المَهووسُ بالتمرّدِ والعصيان.

الألمُ ساحرُ قصيدتي

أنا حرفهُ المُحترقُ مع البخور وعظام الموتى.

الألمُ جلّادُ قصيدتي

أنا حرفهُ الذي يسوطُ بهِ ظهري العاري

ليلَ نهار.

زها حديد

 

بعينين أوسع من عيني زرقاء اليمامة

وأجمل من عيني زرقاء اليمامة،

ستكتبين شِعْراً عجيباً

على هَيئِة عماراتٍ وناطحاتِ سحاب

وتهبينه، في كرمٍ حاتميّ، مدنَ العالم.

وسيبتهجُ العالمُ كلّه

ويرقصُ أمامَكِ مثل طفلٍ صغير.

يرقصُ لابنةِ دجلة الحالمة

تلكَ التي كانتْ عماراتُها المُذهلة

وزقّوراتُها الهائلة

صورةً ناطقةً من حكاياتِ شهرزاد،

صورةً راقصةً من حكاياتِ ألف ليلةٍ وليلة.

*

 

لنْ أقولَ وداعاً لجوهرةِ دجلة،

أعني ملكة دجلة

تلكَ التي لم يُرَ مثلها في النساء.

لكنّي سأعتذرُ لكِ مَرّةً،

بل ألف مَرّة،

لأنَّ دجلة لم تغسلكِ بمائها السِّحْريّ

وأنتِ تموتين وا حسرتاه - بعيداً بعيداً،

ولأنَّ الفراتَ وا أسفاه- لم يقبّل الأرضَ بين يديكِ

وأنتِ تقولين للأرضِ وداعاً

بعدَ أنْ تركتِ عليها ألفَ بابٍ مُضيء

بالسِّحْرِ والمُستحيل.

أنجلينا جولي

حينَ أرادَ مَلَكُ الموتِ أنْ ينتزعَ روحَكِ المُعجزة،

ارتبك

وهو الذي لم يعرف الارتباكَ مِن قبل

بأيّ شكلٍ وبأيّ لونٍ وبأيّ صورة.

فقد مدَّ يدَه إليك

فمنعته دمعةُ الشيخِ الأفغانيّ الذي أعطيته

ذاتَ يومٍ جُرعةً من دواء،

ثُمَّ منعته صرخةُ الجائعِ الأفريقيّ الذي حملتِ إليه

رغيفَ خبزٍ وجرعةَ ماء،

ثُمَّ منعته لوعةُ الطفلِ السوريّ الذي صرتِ لهُ أمّاً

وقلبَ أمّ

ثُمَّ ثُمَّ ثُمَّ ...

فارتبكَ مَلَكُ الموتِ حَدّ الذهول

فهو لم يدرِ أنّكِ قدّيسة

أنبتها اللهُ في غابةٍ من وحوش،

قدّيسة تنثرُ ملايينها للفقراء

ومحبّتها للمُعذَّبين والمحرومين

وهي ترتدي أجنحةً من دموع.

مراجعة طبّية

 

أخذتُ البحرَ ومضيتُ إلى الطبيب.

قلتُ له:

ها هو البحرُ معي ويسمعُ قولي،

البحرُ الذي تعبَ من شكواي كلّ يوم

وأنيني الذي جاوزَ الموجَ طُولاً وعرضاً.

ضحكَ الطبيبُ وقال:

أنا أعشقُ البحر

وأملكُ قبالته قصراً كبيراً

وأملكُ يختاً أسافرُ فيه أنّى أشاء.

عرفتُ أنَّ طبيبي لا يفقهُ من البحرِ شيئاً

ولا يفقهُ من القلبِ شيئاً،

فقمتُ

وقامَ البحرُ خلفي ضاحكاً

مثل طفلٍ صغير.

لم تكن

 

 

لم تكنْ غلطتي

أنّني أضعتُ دراهمَ العيدِ السبعة

قربَ بوّابةِ المتحفِ العراقيّ

واتّهمتُ كلكامش بما قد حدث.

إذ قالَ لي:

أنا مُثلكَ، أيّها الطفلُ،

أضعتُ صديقي، وعُشبةَ روحي.

أنا مُثلكَ لا أستطيع

أنْ أنقذَ عينَ العيدِ من عينِ الدموع.

ثُمَّ إذ عبرتُ الجسر

وجدتُ الحلّاجَ مَصلوباً

فبكيتُ لما حلَّ بهِ مِن هوانٍ عظيم.

لكنّها لم تكنْ غلطتي.

هكذا قالَ لي:

هذه فتنةُ العشقِ أيّها العاشقُ،

أيّها المُندهشُ بما جَرى لي أو سيجري.

إنّها فتنة أنْ ترى ما لا يرى الآخرون.

وتعرف مِن اللهِ ما لا يعرفون.

فكفكفْ دموعَك

لأنَّي سأُحْرَقُ غداً

وسَيُنثَرُ رمادي بعدَ غد

عندَ ناصية الجسر.

فكفكفْ دموعَك

ربّما ستبكي بصمتٍ أكثر ممّا بكيتُ

وتُصلَبُ سرِّاً على جسرِ منفى الحروف.

لكنّها لم تكنْ غلطتني

حينَ وجدتُ السيّابَ في البابِ الشرقيّ

يتوكّأُ على عصاه وحيداً

وبالكاد يمشي.

قلتُ له

وقد اقتربنا من المسجدِ

وتركنا خلفنا نصبَ الحُرّيّة:

كيفَ الحال يا أبا غيلان؟

فقالَ: اعطني سيجارةً أوّلاً.

وبعدَ أنْ نفثَ دخانَها

أضافَ، بصوتٍ خفيض:

حذارِ من هذا الزمان

وأكاذيب هذا الزمان.

إنّها لم تكنْ

غلطةُ قلبي الذي كانَ له

أنْ يكونَ دجلةَ حلمٍ

وفراتَ حرفٍ وحُبٍّ وشوق.

إنّها لم تكنْ

غلطةُ أنشودةِ المطر

أيّها الشاعرُ الذي سيرى

مِن الهولِ ما يكفي لقتلِ بلادٍ

لا يكفُّ ليلُها عن الهَلْوَسَة

ولا فجرُها عن التمتمة.

سِوى

 

رسمَ الزمانُ العجيب

شجرتَكِ فجأةً في سريري.

كانتْ وارفة بحَمَامِها الذي لم أرَ مثله مِن قبل،

ولم أستمعْ لرفرفةِ جناحه الدافئ مِن قبل.

نعم، طارَ الحَمَام،

رفرفَ فوقَ رأسي المُرهق بومضةِ القُبْلَة

والمكتوي بحاءِ الحرمان.

ولأنّي في مُقتبلِ القصيدة

فقد ارتبكتُ لكلِّ هذا الجَمَال المُفاجئ.

ارتبكتُ؟

لا!

بل زُلزِلتُ حَدّ الجنون.

نعم،

إذ لم يكنْ لبوّابةِ دهري مِن حارسٍ

سِوى البومة يتبعُها الغراب.

سِوى،

بعدَ أنْ طارَ سريري

ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمال،

وملأَ وسادتَه برمادِ السنين،

سِوى أنْ أرى مِن جديد

شيئاً مثل شجرتكِ الوارفة

يمشي مُضيئاً بخطواتِ أسطورةٍ حيّة.

فاستعدتُ معكِ

كومضةِ برقٍ مُقتبلَ القصيدة،

وذهلتُ وأنا أرى حَمَامَكِ وهو يطير

أو يكادُ يطير.

وذهلتُ وأنا

مثل شحّاذٍ يُعْطَى رغيف خبزٍ حار.

وذهلتُ وأنا .......

لكنْ لم يكنْ هناك

بعدَ أنْ أحاطَ الغرابُ بي من كلِّ جانب،

وأحاطَ بقصيدتي من كلِّ جانب،

سِوى أنْ أستعين مُرتبِكاً

مثل مجنونٍ لا شفاء له

بسريرِ الحروف.

دموع كلكامش

 

أنا شاعرٌ محظوظ

لأنّي لا أتوقّفُ عن الكتابةِ أبداً.

والسببُ بسيطٌ جدّاً

فقد مسحتُ بيدي المُرتبكتين

دموعَ كلكامش المتدفّقةَ ليلَ نهار

وهو يبكي؛

مرّةً على أنكيدو الذي اغتالهُ الموت،

ومرّةً ثانيةً وثالثة

على عُشبةِ الخلودِ التي سرقتها الأفعى

من قلبه ذاتَ حياة.

قصيدة عن الحديقة

 

قامَ أبي من شلله النصفيّ

ليسقي الوردَ في الحديقة.

تساقطتْ قطعٌ من الذهبِ والحلوى

وزقزقتْ فوقَ رأسي سبعةُ طيور

بألوان بهيجةٍ جدّاً

وموسيقى بهيجةٍ جدّاً.

فرقصتُ قليلاً

وبدأتُ أجمعُ قطعَ الحلوى

فوجدتُها، وا حسرتاه، فاسدة.

وقطعَ الذهب

فوجدتُها، وا خيبتاه، مُزيَّفَة.

ونظرتُ إلى أبي فوجدتُه

جُثّةً هامدةً على الأرض.

وكأيّ طفلٍ باغتهُ مشهدُ الموت

بدأتُ أبكي عندَ جُثّته.

بكيتُ طويلاً طويلاً

حتّى تحوّلتُ بعدَ سبعة طيور،

أي بعدَ سبعة دهور،

إلى شيخٍ كبير

يسقي الوردَ في الحديقة،

الحديقة التي لم يكنْ لها وجودٌ أبداً.

المُمثّل الكبير

 

 

لا أعرفُ لماذا فقأَ المُمثّلُ الكبيرُ عينيه،

في تلك الليلة العجيبة،

وهو يملأُ المسرحَ بالصراخِ والعَويل،

ولماذا أحاطَ المُمثّلون

بي وبالمشاهدين

مِن كلِّ جهةٍ وهم يُغمغمون.

ربّما كانوا يهذون خلفَ لحاهم الطويلة

أو يُهَلْوِسون؟

لا أعرف

فقد كنتُ طفلاً صغيراً.

لا أعرف

بل لا أعرفُ متى كانتْ تلك الليلة العجيبة.

قبلَ عام؟

قبلَ مائة عامٍ أم ألف عام؟

لكنَّني أعرفُ أنَّني لم أنمْ ليلتها

وأنَّني لن أنام

إلى يومِ يُبعَثون!

 

حفلة الأقنعة

 

 

حينَ دخلتُ الحفلةَ في آخر لحظة،

وجدتُ القومَ يلبسونَ مُبتهجين

أقنعةً للقِرَدَة

وأقنعةً للفِيلَة

وأقنعةً للكلابِ وأخرى للفئران.

سألتُ عن سرِّ الحفلةِ أو مَغزاها،

فضحكَ القردُ،

أعني مَن يضعُ قناعَ القردِ على وجهه،

وقال: الفلوسُ يا مَنحوس!

وسخرَ الكلبُ وقالَ بصوتٍ مبحوح:

النسوان.

وغمزَ لامرأةٍ عاريةٍ مَرّتْ

وهي تضعُ قناعَ غزال.

وسألتُ الثعلب

فتبسّمَ وظلَّ يلتهمُ اللحمَ المشويّ

بشهيّةِ ثعلب.

حتّى قادتني قدماي إلى أسدِ الحفلة

فصاحَ بوجهي مُبتهجاً:

مُبارك لكَ جائزة الحفلة!

انتبهت الأقنعةُ جميعاً

وأجابتْ بالتصفيق،

بعاصفةٍ مِن تصفيقٍ وصُراخٍ وصَفِير.

قلتُ له:

أنا لم أضعْ قناعاً.

هذا هو وجهي!

ضحكَ وقال:

كيف؟

ممنوعٌ أنْ تدخلَ للحفلةِ من دونِ قناع!

قلتُ بصوتٍ مُرتبكٍ:

هذا هو وجهي من دونِ قناع.

فضحكَ ثانيةً

وصاحَ بصوتٍ عال:

مُبارك لكَ جائزة الحفلة.

فأنا منذ دهورٍ ودهور

لم أرَ وجهَ الإنسان!

احتجاج

 

تعبت الأرضُ من الحروب

ولم تعدْ تستطيع الوقوف على قدميها،

الحروب التي انتشرتْ على جسدِها الجميل

وجعلت النار

تشتعلُ فيه ليلَ نهار.

ولذا قدّمت الأرضُ احتجاجاً شديدَ اللهجة

إلى جمعيّةِ الكواكبِ والنجوم.

حينَ قرأَ القمرُ الاحتجاج

بكى لما حدثَ لشقيقته الكبرى،

وغضبَ المرّيخُ وزحلُ وعطاردُ والزُهرة،

أمّا الشمسُ فقد قرّرت التوقفَ عن الضياء

إلى أجلٍ غير مَعلوم!

مقارنة كلكامشيّة

 

 

محظوظٌ أنتَ يا كلكامش

فصاحبُكَ أنكيدو ماتَ في حياتِك،

أما أنا فصاحبي أنكيدو

حيٌّ لا يموت!

وصراعي معه حيٌّ لا يموت!

ومحظوظٌ أنتَ

لأنَّ أفعاكَ ابتلعتْ عُشبةَ الخلود

وتركتكَ، على الأقلِّ، طليقاً.

أما أنا فأفعاي ترقبني ليلَ نهار

لتبتلعني.

نعم لتبتلعني،

بعد أنْ وجدتْ

أنْ لا عُشبة خلودٍ عندي

ولا هم يحزنون!

خالد جابر يوسف

 

كانَ دورُكَ جُنونيّاً:

أنْ تعلّقَ قلبَكَ على حبلِ الغسيل

في أوّلِ النهار

وترجعه

إلى صدرِكَ عندَ الغروب.

في آخرِ مَرّة،

قيلَ لي أنّكَ قد ذهبتَ إلى حبلِ الغسيل

فلم تجدْ حبلَ الغسيل!

هل سرقهُ الجيران؟

بل قيلَ لي أنّكَ

لم تجدْ قلبَكَ فوقَ الحبل.

فهل سرقهُ ملكُ الموت؟

ليسَ مُهمّاً أنْ أعرف الإجابة،

يا صديقي الذي سبقني إلى واوِ الوداع،

فأنا خبيرٌ بأدوار الجنون

حدّ الجنون.

*************

خالد جابر يوسف: شاعر عراقي غيّبه الموت فجأة إثر نوبة قلبيّة. من أهم أعماله (بحثاً عن المهبَ).

عولمة مِن حجر

 

لم يعد العابرون يمشون

وهم يُحدّقون في أقدامِهم

ويغمغمون بكلماتٍ لا معنى لها

بل صاروا يمشون برؤوسٍ مرفوعة

تُحدّقُ في بعضها بعضاً

إنّما بعيونٍ مِن حجر،

وتنطقُ

إنّما بكلماتٍ مِن حجر.

دور السكران

حينَ هبطتْ شمسُ الفجر،

سألتُ أحدَهم:

أينَ الطريق إلى البيت؟

لم يضحكْ

ولم يرتبكْ

ولم يقلْ شيئاً.

فقط أشارَ إلى نهايةِ الزُّقَاق.

كانت الشمسُ قد هبطتْ

حتّى سدّتْ نهايةَ الزُّقَاق.

فتعجّبتُ:

كيفَ لي أنْ أزيح الشمسَ قليلاً لأمرّ

ولا تحرقني الشمسُ بضوئها الهائل؟

كيفَ لي وأنا في ذاك الفجر

أترنّحُ كالسكران

من التعبِ والوحشةِ والخُذلان؟

كيفَ لي وأنا في ذاك الفجر

أمارسُ دورَ السكران؟

 

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home