الرمز الصوفي في شعر أديب كمال الدين

 

 

  هادي علي الزيادي

 

 

  لقد دأب أديب كمال الدين على اشباع قصائده رموزاً وإشارات يطغى عليها الطابع الممتلئ بمحاولات لفهم وإدراك أسرار الحروف وهذا انعكاس لقراءاته الواعية للموروث الأصيل ووعي لكتابات الصوفيين مثل ابن عربي أو سواه فحين يقول ابن عربي : ( بالباء ظهر الوجود وبالنقطة تميز العابد من المعبود) أو حين نقرأ قول الشبلي: ( أنا النقطة التي تحت الباء) فلابد لنا أن ندرك مراجع الشاعر وعوالمه المتوهجة. إنه عالم شعري ميتافيزيقي. فنقطة البداية تتلاشى وتتولد في نقطة النهاية لهذا فهو غامض وواضح.  وهكذا يتموضع نمط القراءة ومستوى الفهم، فالمحاولة السطحية لاقتناص اللحظة الابداعية تسقط القارئ العادي في دائرة اللاشعر وعليه يجب الابحار على موجة اللاشعور المفعم بالرموز وبالرؤى المثالية ويجب حمل أكبر خزين من الرموز والاشارات الحلمية لتوظيفها في حل رموز أديب كمال الدين وإشاراته للوصول إلى عالمه الابداعي.

إن فهم الابداع الصوفي شعراً كان أو نثراً وأعني الابداع الذي يحمل الومضات الذاتية المتوهجة على مساحات الورق والتي تجمدت أنوارها قصائد وشطحات ورموزاً .. إن هذا الابداع  يستوجب من القارئ أن يمتلك ذاكرة تراثية ووعياً حداثوياً ليتسنى له الكشف عن عدة مستويات تتناسب ومستوى الابداع والتعامل معه والتوغل إلى عمق النص، لملامسة سطحه وهذا لا يتحقق دون جهد استيعابي أو تأملي. وهذا ينطبق على شعر أديب فعند القراءة  النقدية  لقصيدة أديب الموسومة (محاولة في أنا النقطة) ندرك أن الشاعر معرفي ميتافيزيقي آمن بقيمه الابداعية والروحية التي امتاز بها بين شعراء جيل السبعينات في العراق، بل اصبحت مزية شعرية خاصة به لذا فالنص عنده يحمل اشارات واعية فهو حصاد من سنابل التراث وحقوله التي لم يسبر كل أغوارها شعراء جيله لأن ذلك يحتاج إلى سنوات طويلة جداً.

إن القصيدة استمرار لمنهج أديب كمال الدين الشعري فهو شاعر حروف وقد شاء لنفسه أن يكون صوتاً منفرداً وهذا شىء حصل عليه من خلال توحده مع ذاته الشعرية وممارسته الابداعية التي خطط ويخطط لكتابة نصوصه فيتأمل ويختار وهكذا خلق للنص الذي نحن بصدده ستة وجوه أو حركات كما اراها وهي (الأسطورة ـ والبحث عن الذات ـ والعقل الشمولي ـ والتحدي الرافض ـ والتوحّد مع الذات). 

إن هذه الحركات هي التي منحت القصيدة حضورا ًمعرفياً كما منحت القصيدة بدورها القارئ متعة القراءة ولذة الاكتشاف فكل حركة في القصيدة تبدأ بقول الشاعر:(أنا النقطة) ثم تنفجر الصور الشعرية، ففي الحركة الأولى يتوهج السيف الاسطوري الذي يظل ندياً فدماء أعداء الحق تقطر منه لذا يبقى بريق السيف متوهجاً في كل عصر . وفي البيت الثالث من الحركة الأولى يصبح الشاعر دماً أسطورياً وهو دم طفل ذبحه سهم الأعداء وهنا يأخذ والد الطفل الدم المنساب من رقبة الذبيح فيرميه إلى السماء وهكذا يتصاعد الدم ولايهبط إلى الارض كما في أسطرة الحادثة المفجعة .

 وفي هذه الحركة توظيف صوفي لحرف الألف وهو المعشوق الذي يصبح جريحاً لا جريحاً بذاته بل من خلال جراح عاشقيه ونتيجة لتفاني روح العاشق في ذات المعشوق وهكذا تتوهج آلام المعشوق في روح العاشق.

أما النون التي فتحت لبها لمن هبّ و دبّ فهي جسد الشاعر الفاني الذي احتضن الاجساد وقابلها. أما روحه فهي النقطة التي عجزت السنون عن الاحتفاظ بها وهكذا تصبح الروح خرافة في عصر المادة كما في الحركة الثانية.

إن وجود الشاعر هو وجود آني وظاهري لذلك فهو موجود ولا موجود في اللحظة ذاتها تبصره ولا تراه فهو الصامت المتكلم الذي يبحث عن اسمه فلا يجده .

وفي الحركة الثالثة تصبح النقطة رمزاً للانسان الكامل بل للعاقل الانساني وليس الانسان بشكله الظاهر، فقد عرف الحقيقة كما هي وان اخفاءها لكنها اشرقت من خلال الثقوب الموجودة في الثوب .. فثيابه هي صمت العالم وعجزه عن اخفاء الحقيقة.

وفي الحركة الخامسة تصبح النقطة صوتاً منتقداً وهاجياً فالحروف التي يهجوها هي الكذب والنفاق والانحراف التي تحمل موتها ونهايتها في داخلها وفي نهاية القصيدة يتعجب من حزنه ومن دمعته ومن خطيئته: خطيئة المعرفة ومن زلزاله.

 

 

 

  نص القصيدة

محاولة في أنا النقطة

 

شعر : أديب كمال الدين

 

 

أنا النقطة

أنا بريقُ سيفِ الأصلع البطين

أنا خرافةُ الثوراتِ وثورات الخرافة

أنا معنى اللامعنى وجدوى اللاجدوى

أنا دم أخذته السماء ولم تعطه الأرض

أنا بقية مَن لا بقية له

أنا الفرات قتيلاً ودجلة مدججة بالإثم

أنا ألف جريح

ونون فتحتْ لبّها لمن هبّ ودبّ.

 

 

أنا النقطة

أنا خرافة العصر وسرّته

بحثتُ عن اسمي لم أجده مع الهراطقة

ولا مع الزنادقة ولا العبادلة

ولا مع الرهبان ولا الكرادلة

ولا مع المهزومين ولا المنتصرين

ولا مع المتمترسين ولا المهاجرين

ولا مع الطبالين ولا اللصوص.

 

 

أنا النقطة

فيّ احتوى العالمُ الأكبر

والألمُ الأفدح

فيّ اختفتْ ابتسامةُ الطفل وحفيفُ الشجرة

فيّ اختفتْ موجةُ البحر وندى الربيع

فيّ تجمهر الماضي

وخرج باتجاه المستقبل في مظاهرةٍ حاشدة.

 

 

أنا النقطة

عرفتُ الحقيقةَ وعجنتها بيدي

قبل أن يصل الإنسان إلى الكلمة

وقبل أن يصل إلى القمر

وقبل أن يبتكر المقابر الجماعية

بل انني عرفتُ الحقيقةَ عارية

عري هابيل وقابيل

فأعطيتها ملابسي المثقوبة

ورعبي الذي اتسع فشمل آسيا الطغاة

                              وأفريقيا المجاعة

                             وأمريكا الأعاجيب.

 

 

أنا النقطة

أنا مَن يهجوكم جميعاً

أيتها الحروف الميتة

سأهجو نفاقكم وسخفكم

سأهجو أكاذيبكم وترّهاتكم

وكفاحكم من أجل الأفخاذ والسياط وكؤوس العرق.

 

آ...

ما أشدّ حزني

ما أعمق دمعتي التي وسعتْ آلامَ البشر

ما أفدح خطيئتي: خطيئة المعرفة

ما أعظم زلزالي وخرابي الكبير

أنا النقطة.

 

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home