منشئيات المئوي الشعري لأديب كمال الدين

 

متابعة نقدية لقصيدة (محاولة في الموسيقى)

 

 

إسماعيل إبراهيم عبد

 

 

العقلية المتحررة قادرة أن تصوغ عملاً خلاّقاً يقود الاتجاه القرائي صوب ذؤابات النهايات الجديدة من فنون الضربة الشعرية. والشاعر إذ يمازج بين شعر الصورة وشعر الملحمة - على مافيها من بون – فإنه يبتدع طريقة اللفظة والحرف والعينة (النقطة) كدلالات ترسيمية، فهو يحاولها كغايات فنية مصمماً تحطيم قوى التأثير الشعري (العاطفة والمعنى)، وبذلك بحفر فوهته الواسعة (في) الجاذبيات الاستجابية الماورائية، يصيرها (نقطة) عمق لبؤرة فكرية نافذة تخصّ تشكيل نصه الهلامي.. وتأثير نص أديب كمال الدين – محاولة في الموسيقى – مجموعة (النقطة) - يأخذ وجوهاً عدة. سأهتم بوجه المعنى الحرفي التناسقي لأجل استيعاب بعض الغايات الظاهرية والخفائية عبر مستويات منشئية ثلاثة:

أ-  تراكيب فعل الإكساء الصوري: أي انطلاق فعل التأثير الشعري من النص الى الظاهرة المجسدة (بوسائل: النغمة، النقطة، الحرف، الكلمة). وهو إذ يترك الومض المتطاير من نص الى نص فهو في دور تخليق أرضية ثنائية بمظهرها وبمؤدياتها النهائية ضمن تركيب العقلية الجمعية كما يحدث في المئوي (المقطع) الشعري التالي:

 ويلامس العنقودُ شفاهي

لكنْ لا سكين حبّ  تقطع فراغنا الجارح

والشلاّل يأتيني فأكون الماء لألقاه

لكنني أصطدم بصخرته الكبيرة

وأغرق.

 

فالموسيقى (قدح النغم الأقل من حرف) لها ثلاث ركائز(الطير، العنقود، الشلاّل) لمندرجات منها تجسدية ومنها غمرية ، فالطير والعنقود تجسيد ثنائي لمظهري الحرية والاشتهاء، أما الشلال فتكوين (جاء/  نمو)  إنساني غمر به الشاعر جسدي الحرية والاشتهاء .. تلك  تقع باعتبارها ( فعلاً ) منسرباً إلى إحالات أخرى مثل ( دم ، شهق،  تدفق ماء ) يضع الكلي الإنساني أمام اتجاه واحد : مواجهة الموسيقى باللغة ( الشيء المعياري الأبكمي). والتركيب السالف يمثل كما نفترض معنى تركيب العقلية الجمعية (ككم) نظري لحقائق أخفاها التعبير للإفصاح عن مطلقات عديدة. فالعنقود قرين السكين التي تقطع فراغه (فراغنا) الجارح أي التواصل الحميمي البشري المباشر. والعنقود مجموعة نقاط متراكمة على هيئة (ندى أو تجمعات شفة). والشلاّل موصل شعري له وظيفة أن يجيء بالرضاب والحليب والرحيق إلى (الجوار) الإنساني اللامنطقي الضمائي الأبكم .يريد الشاعر أن يكون ماء ذلك الشلال. لن يكون الشاعر الشلال سوى قطرة مطلقة التدوير والانبعاث من حالة إلى إحالات متعددة.

 

حتى الحروف صارت تتعبني

فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى

دون أن تحمل في يدها باقة شمس

أو حفنة قمر

أو قـُبلات ريش.

 

 يطوّر الشاعر سمو أرضية بفرضها طبقات كونية. فالحروف ( مطلقها العقلي ) والشمس ( هيولها الضوئي ) والقمر( الانتثارالبيضي ) . وكلها سموات تأخذ إشراقها من أرضية زجاجية ( هي هلام اللغة ) ، بمعنى أنها لا تحتوي لكنها تشع .. إنها أدوات شخصية .. وككل أدوات الشاعر يبدو أن كمالها في نقصها ، فليس في يده ( باقة شمس ) يذكرنا ب ( والله لو وضعوا الشمس في يميني . ..) ولا حفنة  قمر (  بل ) هو ( فعل ) يكسر به نمطية الإيحاء المعنوي بتهيئته لإحالة أخرى ( ريش القبلات ) التي تتبع مطلقية ( المنية ) في نفسه الذي أحاله مرّة جديدة إلى مطلق ساكن . في كينونة أرضية التسلق أكتاف الناس . ثم يتجبرعنها بشذرة ( إلايّ ) البياض الوحيد في زحمة التكوينات الملوثة  .. إلايّ تجزين لموسيقى ( الشاعر ) يأخذ التدرج التالي:  العادي تماماً / الحرفي ( سيد الحروف ) / الندى ( سنيد النون ) / الذي يقوم من الموت ../ وللأخير خاصية: /  فالموسيقى تموّج / والقيام من الموت تموّج/  ولقاء الطفلين  اليتيمين  تموّج/ وأرجوحة العيد تموّج/. وهذا التموّج نفترض أنه ينحت في (مستثمر) الذر والتماثل. فلينظر:

 

 الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموت إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسّران على أرجوحة العيد.

 

 إنّ الضخ المولد.. ثم الضخ الآخذ بالأثر لحث الشيء (الجوار الإنساني الذاتي) على التماسك الجذري دون إعلان الحركة الضمنية الضامنية لأصل عملية الانطلاق (الموسيقى)  يأخذ هو الآخر الترتيب:

 

مجيء الموسيقى -> البذرة الأولى ـ > الذرية الأولى

القيام من الموت - > البذرة الثانية  ـ >  الذرية الثانوية

 

أقاما تقابلاً أو تماثلاً ولادياً لنغمة شعر في نغمة موسيقى .. ثم يلتحق هذا الذر بمرحلة الفعل الفوقية بتشكيل طفلين يتيمين . ولكي لا تفقد الموسيقى ذرها وزرعها فقد تمسكت بالأثر( التأيني) ( جذر التماثل الموجي ـ موسيقى / ذات / الشاعر:

 

 منذ أن تعرّفتُ إلى دمي

وجدته محاصراً بالطيور

ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي

وجدته ممتلئاً بالأبجديات.

 

 لكي تأخذ الذات كامل ذرها وتماثلها الإثاري ، فقد صاغ لها مسرحاً من جماليات وجدانية تحتوي مطلقيات انطلاق المحسوس نحو اللامحسوس وبالعكس ..لا تخلو من نقطة احتواء خارجية هي ( الحصار ) الروحي والفكري لأزمة الجسد والنفس: ( حصار الطيور= حصار الأماني )، (حصارالأبجديات = حصار بدايات الفهم). ترى أيّ محتوى ذهني استغله في الانشاء أعلاه ؟ أليس هو استجابات مظهرية تكيفية عن جزئية الضخ الميثولوجي للنقطة؟

 السعادة راقصة باليه: الحزن بدوي يفترش الأرض ليعزف على الربابة.. إنّ الأرض التي بذرته ذرة نغم أوليّ تأبى أن تطوعه،  وعند افتراضه أنها  السعادة  فهي غير ماهرة، راقصة باليه مثل حزن البدائي الذي يمارس العزف. ويحسّ المئوي المتقدم النغم بحساب آلته، فلكي ينتقص الراقصة واقعها مع الحزن.. ولأن ألوية  الحزن وآلته عزف رنيني قوي (بدويّ) فقد اختار له الربابة!! وبهذا الاعتبار يصير العزف البدائي نوعاً من  قفزات موت عجائبي (موسيقى) في آن تتمّـته:

(أعجبني موتي ..)

 أيّ الذل يعادل نهوضه الموسيقي

  (وحين حاولتُ أن أكرره..)

 أي أنهض به للقاء الموسيقى

( جننت..)

 أي غمرني اللحن كلياً. البصمة تولد من دقائق مميزة منفردة تماماً( لا تتشابه أبداً ) وعند العثور على البصمة أديب كمال الدين نراها بصمة فعلية، دقائق إثر دقائق! إذن هي بصمة الدقيقة التي تتقارب: دقائق، نقاطاً بصمة إبهام ، ( إمضاء = إمضاءه

 ( الموسيقى تهبط تهبط )  تنتشر دقائق ..  ( والروح تضيع .. وتمّحي ) .. ندمج بدقائق.. ( الموسيقى تذوب كما تذوب الفضة )  .. تترابط بكتل ما قبلها :

 (وننام كما ينام العشاق الذين أتعبهم طول الفراق).هنا يتقاطع الجمعي(العشاق  باللامحسوس (النوم) فيصير ظرف الموسيقى موهوما ًحقيقياً:

 

 الموسيقى تتألق

 فتحوّلُ الأحزان إلى حاء

وتحولُ الحاء إلى الحرية

ترقص كما يرقص الجنيّ.

 

يعمد إلى كسر بناءات التقاطع الإبصامي فيحطم بؤرا ًأسس لها في بداية المئوي (التنصيص) هي (نغم الموج ) (تموج الرنين) قلق الأشياء الحزينة (ذات الشاعر) بجعلها مخلوقاً من ( بؤرعظيمة). تناسق مع تصوره: الموسيقى حياة. الموسيقى حرية. جنون. البؤر التحطيمية تلك تخدم عدداً كبيراً من مفتتات النقاط داخل امتداد الحاء:

 

 يا للجمال

الموسيقى تتموسق

والحروف تتألق.

 

هنا أدخل آنية التشكيل النغمي، (التموسق) على حالية الحروف المشعة (التألق) سراً سماوياً لا حدود لأبعاده تعويضاً عن لا محدودية الجمال: مدارج الدفق السابق تعود القهقهرى بتراجع مؤسسي؟

 

يفرح الثري بجواري الفنادق

أما أنا فكالموسيقى

لا أفرح إلاّ بنفسي

ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي.

 

    يخلق بها مجموعة مكونات دقائقية تؤخر الضمير ثم الوجدان ثم الذهن  فتنطلق مثل فرحة (حزن دفين) لكونها لصيقة بأقل الأشياء حجماً.. أكثرها نقصاً.. رفضا للإصلاح الذي يتبارى في أعلاه شأنه الأثرياء:

 

إلى متى يعذبني نزيف الحروف؟

يا إلهي

إلى متى يعذبني نزيف الحروف؟

 

 النص في المئوي المتقدم ينتمي لما سبق من تراجعية (فكرية وجدية) لكنه يختلف في قيم التحذير المرغمة  فيه : فالنزف الأول يتوجّس، يشرح، يبرر .. أما الثاني فيقرر : النزف يمضي قدماً حتى الإرادة العليا التي لها وحدها أن تقرر زمن انتهاء النزف الشعري  .

 ب _ تراكيب فعل الاستجابات الصورية  :

تعني وتشتمل على المضامين الاجتماعية الخلفية المنبثة فكرياً عبراستجابة ( لفظ ) كمحفّز وما يستنتج ذلك من منتج ( المعنى ) . في المئويات المرقمة التالية تطبيقات تتفق مع الغرض النظري أعلاه :

 الموسيقى تهبط وأغرق م1

حتى الحروف صارت تتعبني  م2

خرجتُ إلى الشارع عارياً م3

الموسيقى تهبط ..

وندى من نونات م4

أقوم من الموت إليها م5

منذ تعرفتُ إلى دمي م6

أعجبني موتي م8

الموسيقى تهبط .. تهبط ..والروح تضيع .. وتمّحي م9

الموسيقى تذوب كما تذوب الفضة 

ياللجمال م10

ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي م11

يا إلهي  م12

    فهي حاوية على ( كم ) هائل من : الجريرات، النداءات ، العذريات ، الحميمات ، القدريات .. التي في مستوى آخر من التفاصيل تنمو جهة بواطن أرفع ظهوراً من لفظ الكلمة في النص  ... نأخذ الخليط الوجداني من مثل : الخوف  ـ الارتياح ـ الارتباك ـ التفرّد ـ الثورة ـ النمو العاطفي ـ الانبعاث ـ التبصر ـ الزهو ـ الانغمار ـ الاستحالة  ـ الانبهار ـ النزف الروحي ـ النداء. ولو أخذنا إعتبار (المنشىء في ولوجه معنى الذات الجمعي) لحصلنا على خفايا وظواهر تؤلف فعلاً لاستجابات صورية أو لأن تلحقها  متسربات أخرى (أذيال معنى) منها ذهني ومنها سلوكي مجتمعي تعتمد في انثيالها على مبثوثات بعيدة (مجفّرة) مثلاً: الموسيقى تهبط (حركة البديهي تطرح حركة الهبوط) وأغرق ( الإنسان/ الشاعر/ الطفل هو الذي يبلله الحياء). أما يعني ذلك إخفاء قدر كبير من القيم السلوكية وراء عبارة أو كلمة؟ وكذا حال بقية النصوص.. ويعني أن أديب كمال الدين  يجسّد نهجاً غائباً له ذات عائمة بين الفكر والسلوك من جهة والعاطفة والفن من جهة، صورتهما استجابات فورية وامضة عبر نصوص كثيرة.

 ج - تراكيب الذات الفوقية: تراكيب الفعل الشعري الذي جعل الذات البنائية ذاتاًغائبة تقوم بترتيب أفعال اللغة والوجدان حسب تصاعد مرسوم سلفاً.. الخلاصة المنشئية تميل بنا أن نهتم بالذوات المنائرية المنبرية ، السامية الرفعة ، الخطابية التوجه بوصفها تفويضا ًشعرياً عن نفس الشاعر الى ( ألفاظه ، حروفه ، نقاطه ) تستمد قدرتها البنائية.

من 40 كلمة توزعت القصيدة البالغة  187 كلمة، أي مايعادل 21% منبثّة في المتن كدوالٍ على الذات. أضمرت في ثلاثة ضمائر أننية ( ياء المتكلم ـ الضمير أنا الظاهر والمستتر ـ تاء الفاعل ) . وعند محاكمة النص كقصيدة ذات فوقية وجدناها قصيدة  ذات اعتبارية بدرجتين : الأولى جمالية ـ > إعداد اللفظة إعداداً حنوناً دفاقاً شاعرياً. والثانية  فكرية ـ > تضمين النص قيم اجتماع كثيرة التدقيق .وفي هذا يعنينا أن نوضح العلاقة الأخيرة لهذا المستوى المنشأ مع المستويين السابقين. ولاختصار الجهد الاستنباطي نشخص مميزات الذوات الفوقية كوجه متمم لصورة الاستجابة الشعرية فنقول:

1ـ هي ذوات بناء تسيطر على مظاهر موجهات كلّ من تراكيب فعل الاكساء الصوري والاستجابات الصورية وجميع المتون في القصيدة  تستجيب لهذا الغرض،

2ـ تكسب فوقيتها من العلانية المباشرة، والاقتراب التماسّي من مناهل فكرية واضحة العائدية المرجعية.

3ـ تحتفظ رغم علانيتها وهيمنتها الظاهرية على قدرة (لم) ودفق شعري بأسلوب ايدلوجيا الحروف والنقطة ترتقي بالمرجعية الى مستوى جديد في التناول وذلك هو مطلق التصور العمقي .

******************************************

1ـ متابعة نقدية لقصيدة (محاولة في الموسيقى) لأديب كمال الدين  المنشورة في مجموعته (النقطة).

2ـ الهمزة مكتوبة بالشكل المصري  .

3- المئوي هذا وبقية التنصيصات جميعاً من القصيدة المذكورة .

4ـ مقلوب الترتيب الكملي للنص .

5ـ أشرت الى مصطلح أذيال المعنى في مقال عن القاصة لطيفة الدليمي في مجلة الآن العدد 4 في 1999 

   6 ـ الأننية ( جميع مفردها أنا).

 

 

 

محاولة في الموسيقى

 

 شعر: أديب كمال الدين

 

 1.

الموسيقى تهبطُ تهبطُ

طيراً وعنقودَ عنبٍ وشلّالَ ماء.

فيطيرُ قلبي مع الطير

لكنَّ يدي لا تمسكه.

ويلامسُ العنقودُ شفاهي

لكنْ لا سكين حبٍّ تقطعُ فراغنا الجارح.

والشلّالُ يأتيني فأكونُ الماء لألقاه

لكنّي أصطدم بصخرته الكبيرة

وأغرق.

2.

حتّى الحروف صارتْ تتعبني.

فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى

دونَ أنْ تحمل في يدها باقةَ شمس

أو حفنةَ قمر

أو قُبلات ريش.

3.

الكلُّ يتبرقعُ بثيابِ غيره..

إلّاي.

ولما لم أجدْ ما أتبرقعُ به

خرجتُ إلى الشارعِ عارياً،

عارياً تماماً!

4.

الموسيقى تهبطُ بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال

وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس

وندى من نونات.

5.

الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموتِ إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسّران على أرجوحةِ العيد.

6.

منذُ أنْ تعرّفتُ إلى دمي

وجدتُه مُحاصراً بالطيور.

ومنذُ أنْ تعرّفتُ إلى قلبي

وجدتُه مُمتلئاً بالأبجديات.

7.

السعادةُ راقصةُ بالية

والحزنُ بدويٌّ يفترشُ الأرض

ليعزفَ على الربابة.

8.

أعجبني موتي

وحينَ حاولتُ أنْ أكرّره

جننت!

9.

الموسيقى تهبطُ.. تهبط

والروحُ تضيعُ.. .. .. .. وتمّحي.

10.

الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضّة

وتنامُ كما ينامُ العُشّاقُ الذين أتعبهم طول الفراق

ووطأة الهجر.

الموسيقى تتألقُ فتحوّلُ الأحزانَ إلى حاء

وتحوّلُ الحاءَ إلى حرّيّة

ترقصُ كما يرقصُ الجنّي.

11.

يا للجمال!

الموسيقى تتموسق

والحروفُ تتألّق.

12.

يفرحُ الثريُّ بجواري الفنادق،

ويفرحُ المغنّي بدنانير الملاهي،

ويفرحُ زيرُ النساءِ بعشيقته الجديدة.

أما أنا فكالموسيقى

لا أفرحُ إلّا بنفسي

ولا أندمجُ إلّا بنقاطي وحروفي.

13.

إلى متى يُعذّبني نزيفُ الحروف:

احتجاجُ الحاءات،

وضياعُ الراءاتِ في ذكرى المدنِ الضائعة،

ونفاقُ السينات،

وانكفاءُ الباءاتِ حتّى الموت؟

يا إلهي..

 (1)

الموسيقى تهبطُ تهبط

طيراً وعنقودَ عنبٍ وشلال ماء

فيطيرُ قلبي مع الطير

لكنّ يدي لا تمسكه،

ويلامس العنقود شفاهي

لكنْ لا سكين حبّ تقطع فراغنا الجارح

والشلال يأتيني فأكون الماء لألقاه

لكني أصطدم بصخرته الكبيرة

وأغرق.

(2)

حتّى الحروف صارتْ تتعبني

فهي الوحيدة التي تزورني في وحشتي الكبرى

دون أن تحمل في يدها باقة شمس

أو حفنة قمر

أو قبلات ريش.

(3)

الكلّ يتبرقعُ بثياب غيره..

إلاّي

ولما لم أجد ما أتبرقع به

خرجتُ إلى الشارع عارياً..

عارياً تماماً!

(4)

الموسيقى تهبط بلاماتٍ عذبةٍ كشفاه الأطفال

وراءاتٍ تزقزقُ وسيناتٍ توسوس

وندى من نونات.

(5)

الموسيقى تجيء

فأقومُ من الموت إليها

لنلتقي طفلين يتيمين

يتحسران على أرجوحة العيد.

(6)

منذ أن تعرّفتُ إلى دمي

وجدته محاصراً بالطيور

ومنذ أن تعرّفتُ إلى قلبي

وجدته ممتلئاً بالأبجديات.

(7)

السعادةُ راقصةُ بالية

والحزنُ بدويّ يفترشُ الأرض

ليعزف على الربابة.

(8)

أعجبني موتي

وحين حاولتُ أن أكرره

جننت!

(9)

الموسيقى تهبطُ.. تهبط

والروح تضيعُ.. .. .. .. وتمّحي.

(10)

الموسيقى تذوبُ كما تذوبُ الفضة

وتنام كما ينام العشاق الذين أتعبهم طول الفراق

ووطأة الهجر

الموسيقى تتألق فتحوّل الأحزان إلى حاء

وتحوّل الحاء إلى حرّية

ترقص كما يرقص الجنّي.

(11)

يا للجمال!

الموسيقى تتموسق

والحروف تتألق.

(12)

يفرح الثريّ بجواري الفنادق

ويفرح المغني بدنانير الملاهي

ويفرح زيرُ النساءِ بعشيقته الجديدة

أما أنا فكالموسيقى

لا أفرح إلاّ بنفسي

ولا أندمج إلاّ بنقاطي وحروفي.

(13)

إلى متى يعذبني نزيفُ الحروف:

احتجاجُ الحاءات

وضياعُ الراءات في ذكرى المدن الضائعة

ونفاقُ السينات

وانكفاءُ الباءاتِ حتّى الموت

يا إلهي..

إلى متى يعذّبني نزيفُ الحروف؟

 

 


الصفحة الرئيسية

All rights reserved

جميع الحقوق محفوظة

Home