تَجلّيات الجَمَال والعِشْق

عند أديب كمال الدين

د. أسماء غريب

 

منشورات ضفاف – بيروت، لبنان 2013

 

 

 

 

 

 

المحتويات

 

تقديم

        ـ الدكتور فاضل عبود التميمي

مقدمة

        1.1 ـ البَوْصَلة الكَوْنيّة

          1.2 ـ بسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ

 

الفصلُ الأوّل: الطّريق إلى الجَمَال

        1.1 ـ عَنِ الجَمَالِ

          1.2 ـ صُوَرُ النّقطة والحَرْفِ

          1.3 ـ صُورَةُ الألِفِ

 

الفصلُ الثاني: بنْيَة الصّور الوَصْفيّة وَظَاهرَة التّواصُل الحِسّي

        1.1 ـ صُورَةُ المَرْأة

          1.2 ـ المَرْأةُ والحَرْفُ

          1.3 ـ المرأةُ النّقطةُ وظَاهِرَةُ التّواصُل الحِسّي

 

الفصلُ الثالث: دَلالَة الألمِ والصّليبِ والمَوْت

        1.1 ـ دَلالة الألمِ

          1.2 ـ دَلالة الصّليب

          1.3 ـ دَلالة المَوتِ

 

الفصلُ الرّابع: الصّوْتُ الحُروفِيّ عند الشّاعر أديب كمال الدّين

قصيدة "مُحاولة فِي المُوسيقى" نَمُوذجاً

        1.1 ـ النّغمُ الحُروفِيّ

          1.2 ـ عَذابُ الهَجْرِ ولَذّةُ الوِصَال فِي مُوسِيقى الحُرُوف

          1.3 ـ التّكرارُ سُلطَة كْرُومَاتيكيّة أمْ رَجْع صدى لُغويّ؟

 

الفصلُ الخامس: إشارات الألوان عند أديب كمال الدّين

        1.1 ـ دُولابُ ألوان الشّاعر

          1.2 ـ مَاذا بَعْدَ اللّونينِ الأبْيَض وَالأسْوَد؟

          1.3 ـ أديب كمال الدّين الرّسام النُّقْطي

 

الخاتمة

السّيَر الذّاتيّة

       

 

 

 

 

 

 

 

 

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

 

"قلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ

أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً"

سُورة الكهْف آية ﴿109﴾

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تقديم

د. فاضل عبود التميمي

جامعة ديالى :العراق

 

يأخذك كتاب د.أسماء غريب :(تجلّيات الجَمَال والعِشْق عند أديب كمال الدين) من الكلمة الأولى فيه إلى عالم التصوّف بكل ما فيه من زهد، ونقاء جوهر، وتأمّل للذات الإلهيّة المتفردة في كلّ شيء، أي إلى أبهى صورة رسمتها القراءة الدقيقة لمتن الشاعر المقترب بحذر من فضاء الحياة وهي تمتد متّسقة بين زمان غير محدّد ومكان .

صاغت الناقدة بلغة أقلّ ما يقال في سياقها النقديّ أنّه ينتمي إلى الاختيار الصّعب الذي مارسته وهي تنحت عبارات تستقري صلب الإشكاليّة الشعريّة عند الشاعر ممثّلة في انطلاقته الشعريّة من وحدة (التفكير) التي ينتمي إليها، تلك التي جعلت قصائده تتشظى بكلّ الاتجاهات مشكّلة نسقاً دائريّاً تزداد دوائره كلّما اتجهنا نحو حافّات الأرض.

والناقدة في مسعاها النقديّ الشفيف يهمّها أن تقف عند العتبات، والمنحنيات، والزوايا قبل أن تدخل إلى العمق الزئبقي الموهم، والمفتوح على أقصى درجات التحليل، والتعليل، والتأويل فقد قُدّر لها أن تمسك بمرموزات الشاعر، وصوره، وشخصيّاته، وطلاسمه، وعباراته، وأن تمرّ عليها مرور من يريد أن يكتشف لا مرور كريم فحسب؛ ولهذا خرجت بنتائج تؤكد أنّ المعنى المتمركز في قلب الشاعر لم يعد سرّاً من أسرار صنعته، إنّما هو بالإحالة على قصائده بوحٌ يتجلى على لسان سلطة النقد، والتلقي أيضاً.

لقد قرأتُ كتاب :( تجلّيات الجَمَال والعِشْق عند أديب كمال الدين) فوجدت الناقدة قريبة جدّا من الشاعر، ونصوصه، ويخيّل لي أنّ قربها (الحضوري) كان سبباً في فهم الشاعر، وإشكالات تجربته الشعريّة، فضلا عن التحام نقدها بمقومات جذره البعيد، ليدقق قارئ الكتاب في (الخُطاطة) المهمّة التي رسمتها أنامل الناقدة وهي تتأمل عناصر التدفق، والسيلان، والجريان التي التقطتها من قصائد الشاعر حتى يكتشف مقدار المهارة النقديّة التي وسمت تفكيرها، وهو يوزّع بعلميّة ممنهجة نظره السديد فيما وراء اللغة، وداخل شكلها المهيب.

إنّ سبر أغوار الصور، والشخصيّات، والسرود، والأصوات اللائذة في الحروف وأنساقها، وجوهرالكلمات وتشكّلاتها، والألوان السابحة في تحوّلات القصائد وامتداداتها هو استكمال نصيّ لما فيها من جماليّات تتوخى تمثيل الحاجات الإنسانيّة الجديدة لإنسان اليوم الذي بدا غريباً في بيئة كأنها صنعت لغيره، أي أنّ سبر أغوار الناقدة هو في النتيجة قراءة تتيح للقراءات الآتية الوقوف عند منجز الاثنين: الشاعر وهو يتملّى بفرح طفوليّ وقع قصائده في عالم يعجّ بالصخب، وعدم الحياء، والناقدة وهي تكشف عن أساليب تلك القصائد ،وطرائق ارتباطها بالآخر.

لقد قرأتِ الناقدةُ قصائد الشاعر (أديب كمال الدين) بإعجاب ينتمي إلى مجالها الجمالي، والمعرفي، وليس هذا بغريب على ناقدة ثبت أنها شغوف بالشعر قراءة، وكتابة، وها أنذا أقرأ كتابها بإعجاب ينتمي إلى الشعر، والنقد معا، فالقراءتان تنتميان إلى حيّز بهيج يتشاكل فيه الشعر والنقد في حاضنة لمّا يزل القول فيها بحاجة إلى فهم، وتجديد قول ليس في مستوى المقولات، والاجراءات، وإنّما في كلّ المستويات التي تنظر إلى الإبداع بوصفه وجوداً مرهوناً بشرط الحريّة التي تعمل على تلوين مفاصله.

كتاب:(تجلّيات الجَمَال والعِشْق عند أديب كمال الدين) للناقدة (أسماء غريب) بمقدمته، وفصوله الخمسة، وخاتمته رحلة ممتعة في شعر واحد من أهمّ الأصوات الشعريّة في خارطة الشعر العربيّ المعاصر أوقفت فيها الناقدة جهدها للحديث عن الجمال، والكمال الإلهيين عبرالتجربة الحروفيّة المواقفيّة للشاعر التي ترى في الحرف وجودا يمتّ إلى الإنسانيّة بأكثر من صلة، ولم تكن الناقدة في تلك الرحلة ملغية جمال الموجودات الأخرى التي تجاور حياة الشاعر، وشعره، فهي تدرك عن قرب أنّ الموجود الحقيقي صاحب الجمال المطلق البهيّ الذي يجب التعلّق في جماليّاته، والنهل من مصادرها هو أبعد ما يكون عن وسائل تقوقعنا المعتادة، ولكنّه في الآن نفسه قريب جدا من نزعتنا الحياتيّة المتأمّلة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مقدمة

          1.1   البَوْصَلَة الكَوْنيّة

إنّ فكرة الكتابةِ عن التّجربة الإبداعيّة للشّاعر أديب كمال الدّين لمْ تكن وليدة صُدفةٍ أو اندهاشٍ بسيطٍ أو عابرٍ بخطّه الأدبيّ الجديد أو بحروفيّاته ومواقفهِ الألِفيّة، ولكنّها كانت بذرة نَمَتْ داخل رحمٍ ثلاثيّ الظّلُمات ومحيطٍ أبيضَ صافي الأعْمَاق وإنْ بدَا مُضطربَ السّطح وعاتيَ المَوج. أقولُ رحماً ذا ظلماتٍ ثلاثٍ، لأنّ العملَ المُستمرّ والقراءة المُتجدّدة لأعمال الشّاعر وتتبُّع إصداراته القديمِ منْها والجديدِ كان منْ بين أهمّ الأسباب التي خصّبتْ بُويْضَة التّفكير في القيام بدراسة تحليليّة ونقدية تجْعلُ قصائد الشّاعر في مُتناول يدِ القارئ والمتلقّي وتُزيح عنْها قداسة التّعالي وتجعلها بالتّالي قريبة من كلّ مُستويات التلقّي وإنِ اختلفتْ أو تنوّعت. وأقولُ: محيطاً عاتي المَوج وصافيَ الأعماقِ، لأنّني اكتشفتُ أنّ التّحدّي الأكبَرَ الذي كانَ عليّ تجاوزه، ليس هو فكرة كتابة هذا العمل ذاتها بقدر ما كان كيفيّة صياغته ونوعيّة المنهج الواجب اختياره والسّير على أثره، الأمر الّذي جَعلني أشْعرُ وكأنّني ربّان لهُ بوْصلة موزّعة الاتّجاه بيْن الشّرقِ والغرْب، وبين الظّلمات والنّور، وبيْنَ عَوالم يذوبُ فيها الإنسانُ وتحيا المادّة، وأخرى يحيا فيها الإنسان وتفنى المادّة. بل ربّان سفينة ليس أمامه سوى أن يُشمّر عنْ ساعِدِ الجدّ ويتمَنْطقَ بِحزامِ عُلوّ الهمّة وقوّة الإرادة حتّى يَصلَ إلى شاطئ الأمان وبين يديه شباكٌ تتكاثرُ فيها خيراتُ العنبِ والقمحِ والسّمك إلى أبد الآبدين. هذا من جهةٍ، أما من جهةٍ أخرى فإنّ السّؤالَ الرّئيسَ الذي يُمكن لقارئ هذا الاستهلال طرحُه هو: ما السرّ في توزّع بوْصلة هذا الربّان بين اتجاهين مُتنافرين فيما بينهما وإنْ ظاهرياً؟

إنّ الجواب عن هذا السّؤال يكمنُ في سؤال آخر يرْغبُ في معرفة ما الذي يجْعلُ الغرْبَ يبحثُ عن الشّرق، والشّرقَ يسعى نحْوَ الغرْب؟ وما الذي يجْعلُ الحرْفَ العربيّ يتّجه من اليمين إلى اليَسار واللاتيني من اليسار إلى اليمين؟ أيّ روح توجّه هذه الحركة؟ بل أيّ فكر يسْعى إلى هذا الترابط وهذا التّكامل بين الفِكر البشري كافة وعلى كلّ بقعة منْ بقاع الأرض؟

إنّها قضيّة لها علاقة وشيجة بوحدة الفكر العربي الإسلامي، ووحدة الثقافات والحضارات الأخرى على الرّغم من بعض الفوارق والاختلافات في العديد من الأخلاقيات الواضحة فيها. والإيمانُ بهذه الوحدة على مستوى الثقافة الواحدة وعلى صعيد الثقافات المتعددة لا شكّ يُفضي إلى الإقرار بوجود رؤية كونية تسيّر تراث الإنسانية برمّته بغضّ النظر عمّا فيه من تبايُنات. إذ لا يمكن إنكار ذاك الخيط الرّفيع الرّابط بين الثقافات الشرقية القديمة وتلك العوامل المشتركة التي تجمع بين الثقافات الأوروبية والعربية الإسلامية على امتداد مراحلها. ولا يُمْكنُ أبداً تجاهُل تلكَ الرّؤية الشاملة التي تنْصهر داخلها أديان التوحيد جميعها. وإن كانت هناك مِللٌ وفلسفاتٌ لا علاقة لها بالتوحيد وبأنبيائه الكرام مادامت قائمة على الوثنية والوساطة والخرافة، لكنّها لا تستطيعُ أن تلغي النّظرة الشّاملة إلى الخالق الواحد في تصوّر الأقوام والأديان التي تعتمد التوحيد وتصوّر الكوْن والإنسان بشكل عام.

إنّه الفكْر الكوْني الإلهي إذن هذا الذي أنْت الآن بصدده أيها القارئ، الفكْر الذي خلقَ البشرَ ولم يجعل ميزة للتفرقة بينهم سوى تقوى القلوب. فهل بعد هذا كله يتعيّن على ربّان سفينة هذه الدراسة أن يتوقّف ويُكبّل يديه بالحُدود الجغرافية والتاريخية كي يقولَ إنّ المنهج المُختار سيكون إمّا غربياً وإمّا شرقياً؟ وهل عليه أن يتجاهل عالمية فكر أوائل العلماء المسلمين وسعيهم نحو الكونيّة في كلّ اتجاهاتها أو أن يُنكر عالمية الفكر الغربي وسعيه نحو الضّفة الأخرى بكُتب وأعمال ومجلدات عن الإسلام وعن العرب بشكل يفوق أيّ تصوّر وخيال؟ هذا لا يجوز في مقام هذا البحث أبداً وذلك لسبب واحد: الجنس الأدبي للتجربة الشعرية التي بين يديّ ويديك هو ليس من النوع الذي تحدّه جغرافيا أو تاريخ أو أيّ انتماء عرقي أو إيديولوجي كيفما كان نوعُه، لأنّه موجّه للإنسان فقط، وهذا نابع أساساً من طابعه الإسلامي الصّوفي الذي يُخاطبُ روحَ الإنسان من يمينها إلى يسارها ومن فوقها إلى تحتها. لذا تجدُ مُعظم قصائد الشاعر أديب كمال الدّين زاخرة بأسماء تتوزّع في تنوّعها واختلافها بين كلّ اتجاهات الأرض، فهذا موسى (ع) وذاك عيسى (ع)، وهذا مُحمّد (ص)، وهذا "طاغور" بلحيَته البيْضاء، وذاك "زوربا" برقصته الشّهيرة وهذا "شارلي شابلن" وتلك "آنا كارينينا" وصاحبُها "تولستوي"، وهذه أم كلثوم أو كما سمّاها الشاعر نفسه بـ "المطربة الكونية"، وذاك البيّاتي وغيرُهم كثيرون. كلّ هذا الثراء والغنى الرّوحي لم يزدني إلا قناعة بأنّه ليْس لي في كتابي هذا سوى أن أكسّر عقاربَ بوْصلة سفينتي وساعتها كيْ أصْبح رُبّاناً له أنْ يُبحر في كلّ الاتجاهات وفي كلّ زمن ووقت، وبمُختلف اللغات، وكي أجْمع بين الشّرق والغرب وأزَاوِج بين مُختلف المَناهج النّقدية بما فيها النّقلية والعقلية والصوفيّة والتفكيكية والسيميائية وغيرها.

          فهل من سبيل إذن إلى مواجهة هذا التحدّي؟ هلْ يُمكن حقاً التحليق بتجربة الشّاعر إلى حيث ما من حدٍّ أو مدّ أو أمدٍ؟ نعم هو الجواب الذي يعقبه قلق آخر يخرُج من بطن نصّ أعتبُره القشّة التي قصمت ظهر البعير، وأقصد به قصيدة: (إشارة أولئك)[1] التي وضع فيها الشاعر إصبعه على دمّل لطالما أوجعه وقضّ مضجعه، محاولاً بذلك تشخيص داء ليّ عُنق نصوصه الشّعرية أو داء القراءة الإسقاطية في تفسير وتحليل قصائده المتنوّعة والمختلفة. والحقّ يُقال إنّ ما أشار إليه الشاعر في نصّه هذا، لا يُمْكن اعتباره مسألة تهمّه والمتلقّي فقط، فالأمر أكبر وأعظم من حصْره بين مبدع واحد وعدد من المتلقّين، ذلك أنّ الإشكاليّة قديمة قدم الإبداع الأدبي والفني بشكل عام، وقد أسماها منظّرو النقد والأدب بنظرية التلقي وجمالياته وأضيف قائلة: وأسلوبياته وأخلاقياته. ولا مجال للإنكار بأن أيّ أثر أدبي مهما بدا للقارئ أو للباحث والناقد غامضاً فإنه ينطوي على دلالات بعينها يتقيّد بها تأويله ويُحدّ بها فهمه، واللغة تُعدّ أول هذه الحدود التي يظهر فيها هذا الأثر، لأنّ ما تحويه هذه اللغة من علاقات هي التي تحيل القارئ على ثقافة وحضارة مجتمع ما، الشّيء الذي يُلزمه بتحرّي نوع من الموضوعية التي لا يُمكن تجاوزها أو التخلّي عنها. أما الحدّ الثاني الذي يتقيّدُ به تفسير النّص وتحليله فهو بناء النّص ذاته بكلّ ما قد يحويه من غموض وفراغات قد يضعها الكاتب مُنتظراً أن يملأها القارئ: اللغة إذن والبناء هما اللذان يلزمان القارئ بقدر من الوفاء لمقصد الشاعر ولطبيعة العصر والزمن الذي ألفَ فيه مجاميعه أو نصوصه الشعرية. لذا فإنّ الأثر الأدبيّ وبالتالي نصّ الشّاعر أديب كمال الدّين الذي هو شأن هذه الدراسة لن يحمل بين طياته معنى واحداً فقط تقتصر القراءة على اكتشافه كما أنّه لنْ يكون في الوقت ذاته منفتحاً على قراءات شتى تجعل منه نصّا قابلا لأيّ تأويل يُوضع له.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

1.2   بِسْمِ اللَّهِ مجرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.

          قد يعتقد الدارس لأوّل وهلة أن تشخيص الطّابع الكونيّ للتجربة الأدبية والفنية للشاعر أديب كمال الدّين قد تجعل من مهمّة تحديد المنهج أمراً سهلاً مادام قد تمّ الحسم فيه من خلال التصريح بأهمّية المُزاوجة بين مناهج متنوّعة تتفاوتُ بين النّقلية والعقليّة والصّوفية وغيرها، لكن الغوص في عوالم الدواوين المختلفة للشاعر يجعلُ الباحث يكتشفُ بأنّ هذا وحده لا يكفي، إذ ثمّة حجابٌ آخر يجبُ رفعه كي يتمكّن من تحديد أرضية تابثة وقارة تتحمّل قسوة معاول التنقيب والبحث عن المعنى الكونيّ أو عمّا يُقارب هذا المعنى داخل نصوص الشّاعر، لذا يبدو من الأهمية بمكان القولُ أخيراً بأنّ المنهجَ التفكِيكي الجمالي هو الصّراط الذي سيتمّ المشي والرقص في ذات الوقت على حباله. وذلك لأنّ هذا المنهجَ يمكّن الباحث أكثر من غيره من التركيز على البنية الجمالية في نظرتها الشمولية وفي ما تحويه من علاقة بين الفكر والواقع، وبين الواقع والعالم، وبين العالم والكون، وبين الكون وخالقه مادام هو وحده المتفرّد بالجمال المطلق. لذا فإن تتبع آثار الجمال ومختلف بنياته سيكون هو ضالة هذه الدراسة سواءً كانت هذه البنيات متعلّقة بالصّورة الشعرية ومصادرها المختلفة أو بالبناءات الفنية وأنواعها العديدة بما فيها الدرامية وغيرها، دون التغافل عن البنية الإيقاعية وخاصة منها المتعلّقة بالموسيقى الداخلية للنّصوص مع التطرّق أيضاً للبنية الفنية التشكيلية المتجلية سواء من خلال ألوان النّص الخارجية أو ألوانه الداخلية، وهذا كله بهدف الوصول إلى الذهنية الجمالية لدى الشاعر أديب كمال الدّين وكيف حاول من خلالها ولم يزل يحاول تقديم علاقة جديدة بين ظواهر الأشياء وكوامنها مرتكزاً في ذلك على ما في الفكر والأدب الإسلامي الصوفي من كنوز تنهل كلّها من معين الجمال الكوني ومبدعه الجميل البهي الذي لا يتفوّق على بهائه وجماله مبدع. لذا فلا عجب في أن يكون العشق هو خرقة الشاعر أديب كمال الدّين وتكون الرمزية الجمالية عصاه، خرقة وعصا جعلتا من مجاميعه الشعرية شكلاً جديداً من أشكال التعبير الجمالي لم يحققه أحد من شعراء عصره[2]. لذا فإن تجربته الشعرية الحروفية المواقفية لا يمكن اعتبارها أسلوباً أدبياً فنياً فحسب بقدر ما يمكن القول عنها إنّها موقف جمالي روحي من العالم والكون وخالقهما معاً.

د. أسماء غريب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصلُ الأوّل

الطريقُ إلى الجـَمَــال

1.1         عن الجَمَال

لِـمَاذا كُلّما رأى الإنسان منظراً جميلاً تحرّكت بداخِله في مُعظم الحالات مشاعر جيّاشة من الدّهشة والرّقة، وفِي حالات أخرى انتابَه شعور بالغُموض والجُمود والدّخول في مدارات الغيبة والتطلسم والسّؤال؟ ربّما لأنّ المَوْضُوع الذي يُصبحُ محطّ تأمّله وتفكيره لهُ من الشّكل واللون، أو الطّعم والرّائحة، أو الصّوت واللاشكل، أو اللالون واللارائحة، أو اللاطعم واللاحركة ما يُثير كلّ أنواع رُدودِ الفعل الوجدانيّة بشكل يترتبُ عليه مُحاولة الإنسان التعبير عن كلّ هذا الكمّ الضّخم من الأحاسيس المتناغمة والمتناقضة فيما بينها، فإمّا ينجح عبر الكلمة أو عبر الصمت، وإمّا عبر السّكون أو الحزن، وإمّا عبر الموت احتراقا بنور الجمال. لكلّ هذه الأسباب تظلّ التجربة الجمالية من أقوى أنواع التجارب وأشدّها وطأة على عقل وقلب وفؤاد الإنسان، إذ من خلالها يتمّ التعبير عن وعْي المُدركات الجمالية بكافة أشكالها وألوانها من خلال الوظيفة البصرية والسّمعية الظّاهرة والباطنة.

ووعيُ الجمال يَمُرُّ بمرحلتين أولاهما الشّعور به وثانيهما استيعابه والاستمتاع به، وهما معا مرحلتان متداخلتان ولا يوجد بينهما فاصل زمني، فما إن يُشعر بالجمال يُستمتع به مباشرة[3]. وهذا الوعي يكون في كلّ الحالات متأثراً بعوامل عدّة أهمّها العامل النفسي، ناهيك عن عوامل أخرى شديدة الارتباط بالمجتمع أو بالحقبة التي يعيشها الإنسان أو بمختلف معتقداته بما فيها الدّينية والرّوحانية. ويُعدّ الإنسان الفنان بكلّ انتماءاته الفنّية والإبداعية، أكثر النّاس مسئولية عن التعبير العميق والخلاق عن التجربة الجماليّة بشكل عام، لذا فهو معني أكثر من غيره بالقدرة على تحقيق التوازن بين الضروريات النفسيّة وضرورات المجتمع وممارسة هذه الأخيرة بشكل إنساني قادر على تتبّع الفكرة والتقاط الإشارة الإبداعية مع امتلاك القدرة على التحليل والتركيب والتقويم والتأليف والتقييم لإيصال ما استوعبه من مظاهر جمال الكون وإظهاره لغيره من النّاس في شكل إبداعيّ باهر وبارع. وإذا كان الفنان المستوعبُ للجمال والمنتجُ له في شكل آخر من أشكال الجمال مبدعاً، فإنّ المتلقّي يكون مبدعاً هو الآخر. إذ لا قيمة لما يقدّمه المُبدع في غياب المتلقّي.

وتجدُر الإشارة إلى أنّه على الرّغم من كون العديد من المدارس التي تهتمّ بعلم الجمال قد حاولت التقليص من دور الخيال والإلهام في عملية خلق الجمال الفنيّ، إلا أنّه لا يُمكن بأيّ شكل من الأشكال شطبُه من العمليّة الإبداعية، كما لا يُمكن نفي العقل وحُضوره القويّ بكل ميكانيزماته التفكيرية والعقلانية الثابتة في كل خطوة من خطوات عمليّة الخلق الإبداعي لكلّ ما هو جميل.

والجمال جزء من الفلسفة، والإنتاجُ في إطاره كفنّ خلاق هو ليس فقط صورة للإبداع الخيالي ولكن للإنتاج العقلي الذي يتمّ عبر أربع عمليّات يُمكن تلخيصها في الاستعداد والإفراخ والتـبلور والنـسج، الشيء الـذي يـؤكد ما للإرادة من دور فعّال في عملية إنتاج العمل الإبداعي من خلال الوعي الإنساني بظاهرة الجمال وكنهها العميق ولا أدلّ على ذلك من التجربة الشعرية الجمالية الروحية الفنية الأدبية التي من أجلها كُرّس هذا الكتاب والخاصة بأديب كمال الدّين، الشاعر الصوفي الذي وهب نفسه وعقله وقلمه وقريحته وكل جوارحه لأسمى علم في الوجود: علم الجمال المطلق أو علم الجمال الإلهي.

 

 

 

    إن الله جميلٌ يحبُّ الجَمَال

لا شكّ أن معرفة الله سبحانه وتعالى بالجمال والعشق كانت ولا تزال وستبقى من أرفع وأعظم أنواع المعارف منزلة وقيمة عند الخالق وذلك لأنها وُهِبَتْ وبدون منازع للمُخلصين من عباده، إذ عندما يَرْفـَعُ البارئ برحمته الإلهية الحُجُب الجثمانية يحصلُ لمن يـخْتَصُّ بهذا النوع من العلوم ما يسمّى بالسّلب والجذب والخطف فيقعُ الاصطفاءُ ويُصبح العبْدُ العالـِمُ خِلا للحضرة الإلهية فيعشقُ صانعه ومُبدعه ويفنى في بحار بهائه ثم يصحُو ليتحقق له البقاء في حدائق الكمال والحُسن والوداد بفضل سرّ قوله تعالى؛ ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن، الذي إذا تقرّب مني شبراً تقرّبتُ منه ذراعاً وإذا تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة. هكذا هو العالِمُ بالجمال والعارفُ بالعشق الرباني فإما هو مِن زمرة مَن صاح "أنا الحق" أو مِن مَجمع مَن هتف: "جنّنني بي فمتُّ ثم جنّنني بي فعشتُ ثم جنّنني عنّي وعنه فغبتُ ثم أوقعني في درجة الصّحو وسألني أحوالي فقلتُ الجنون بي فناء والجنون بك بقاء والجنون عني وعنك ضياء وأنت في كل الأحوال أولى بنا"[4] أو من فتية كهف "اجتمعتِ الحاءُ بالباء فكان الكون"[5]. ولا غرابة في كون الجميل يُعدُّ من بين أسماء الصفات الأكثر محبة وتأثيرا في قلوب العارفين وقد صدق خير الأنام حينما قال: ((إن الله جميل يحبُّ الجمال))[6] سبحانه لا جميل يضاهيه في الجمال بل لو كان جمال الخلق كلّهم على رجل واحد منهم وكانوا جميعهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم قط نسبة إلى جمال الله بل لكانت النّسبة أقل من نسبة سراج ضعيف إلى حذاء جُرم الشّمس (ولله المثل الأعلى)[7]

ومن صفة واسم الجميل تنبع بقيّة أسماء الصفات الإلهية الدائرة في فلك النور والجلالة والظهور والكمال والبهاء، إذ لجمال الحقّ سبحات من النور من عاينها احترقت عين سرّه وإلا ما كان قال عليه أفضل صلاة وسلام (( لله سبحات من النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصر خلقه))[8] وكشفُ الجميل لجماله هو مقام للشوق والعشق، فيه تلوحُ أنوار الحق وتتزاحمُ داخل قلب العارف غابات من المعارف الشعشعانية كي تدل على الوحدانية من عالم الملك والملكوت، فيصيرُ بهذا صدر العارف مشكاة، وقلبه زجاجة، وعقله مصباحاً لا ينطق إلا بكلمة التوحيد التي تورق بداخله شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، شُبّهت في سورة إبراهيم بالنّخلة التي أورقت وأينعت واخضرّت حينما قال البارئ ساعة الكشف والظهور لأحبابه: ((كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أعرَف)) فغرَف بعد ذلك من بحار الكاف والنون ومحيطات الحاء والباء غرفتين وصبّهما في إناء القدرة واستوقد تحته نار العشق والمحبّة فالتهب الإناء وتأجّج حوله زبدُ الحدوثية فصار هُوَ هُوَ المُضيء بنفسه ((وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ))[9] . هذا النّور بل هذا الجمال والعشق الذي فتن كلّ أهل العرفان والمحبّة لا يُمكنه سوى أن يثير الفضول داخل فكْر كل باحث اطّلع على التّجربة الجماليّة الخاصّة بالشّاعر أديب كمال الدّين كي ينتهي به الأمر إلى الرّغبة في معرفة كيف فعل جمالُ الله بالشّاعرِ كلّ هذا لدرجة أنه أبدع للقارئ 15 ديوانا لا يُتحدّث فيها سوى عن الله واسم الله وجمال الله؟ هذا ما سيُطّلع عليه عبر القادم من صفحات هذا الكتاب.

 

 

 

1.2   صور النّقطة والحرف

          قيل الكثير والكثير عن الصّورة في الأدب العربي والعالميّ على السّواء، ويبدو أنّ أوائل فطاحلة نقاد الغرب لم يبدأوا في الاهتمام الفعليّ والحقيقيّ بمفهوم الصّورة إلا عند العقد الثالث من القرن العشرين هادفين في ذلك إلى السّعي نحو تأكيد الجانب الرّمزي للصّورة في النّص الأدبي شعرياً كان أم نثرياً، والجانب اللغوي المجازي بوصفه عنصراً جوهرياً في النّص وعاملاً رئيساً في المعنى والبنية.

وتُعدّ الناقدة الإنجليزية "كارولاين سبيرجن" (Caroline Spurgeon) من بين أهمّ مَنْ أبدع من النقاد في الاعتناء بالصورة الفنية حينما وهبت كل طاقتها الفكريّة والإبداعيّة لدراسة الصُّور الشعرية عند "شكسبير"[10] بإخلاص مُنْقطع النّظير ممّا أسفر عن نتائج مُذهلة فتحتْ للقارئ أبواباً جديدة جعلته يطّلع من خلالها على عُمق التجربة الفنية والأدبية الفذة لهذا الأديب الإنجليزي وعلى عقليته الجمالية ورُوحه الإبداعية[11].

أمّا فيما يتعلقُ بالدّراسات الأدبية في النقد العربي الحديث للصّورة فهي لم تتخلف زمنياً عن قرينتها في الأدب الغربي إلى حدّ كبير، وإن اختلف البعضُ عنها من حيث العناوين التقليدية التي يغلبُ عليها الطّابع التراثي والمنظُور البلاغي والبياني، بشكل يتمّ فيه ربط الصّورة بصفتها" البلاغية" أو "البيانية" وأحياناً أخرى بعُنصر مُفرد من عناصرها، فتجدُ العناوين تدلّ على دراسة التشبيه أو الاستعارة أو المجاز، ويُجاوز عدد منها ذلك إلى "الصّورة الفنية" حيثُ الاتساع بدلالة الصورة إلى ما رواء اللغة المجازية من أنماط ونماذج ورموز أو صور ذهنية ، وفي أحيان أخرى يتمّ ربط الصّورة بالنوع الأدبي للنّص.

والصّورة عند أديب كمال الدّين، هي تجسيد لشعوره المتدفّق من حنايا تجربته الشعرية التي تفاعلت في نفسه عبر سنين طويلة من الخبرات والمكتسبات الشعورية والحياتية بشكل جعل منه بوثقة نار ونور انصهر بداخلها كلّ ما اعتراه ولم يزل من مشاعر محوّلا إيّاها إلى كلمات تصويرية ناطقة حيّة تتشكل في إطار التجربة بواسطة "التدفق الثرّ لكلّ ملذات اللغة"[12] تدفقاً أصبحت معه صور الشّاعر حمضاً نووياً يُخَزّنُ فيه كلّ المعلومات الخاصّة بقصيدته بما فيها التراثية والتاريخية والسياسية والدّينية والصوفية والأسطورية والطلسمية والنفسية والروحية، ولا أدلّ على ذلك من قصيدته (الكثير من الصور)[13] التي تُعدّ مفتاحاً لبابٍ لابدّ من دخوله لكشف أغوار العديد من القضايا الجمالية والفنية الخاصّة بمُختلف التقنيات والأدوات التي تقوم عليْها الصّورة الشعرية عندَ أديب كمال الدّين، وذلك لأنّ هذه القصيدة بالذات تطرحُ إشكالية تعامُل الشاعر مع الصّورة كمفهوم عام وكيفية اعتباره لهذه الأخيرة قناعا يخفي وراءه الحقيقة التي طالما تمنّى أن يُعبّر عنها بدون أيّ لون أو غطاء. وكون هذه القصيدة ستكون مدخلاً فهذا يعني أنها ستُمهّدُ لما سيتمّ وضعُ اليد عليه عبرها من الخيوط الأولى الموصلة لماهية الصّورة عند الشّاعر لا بمفهومها الصّوفي فقط ولكن بمفهومها الأدبي والإبداعي. لذا فإنّه سيُحاول في البداية فهم ما يعنيه أديب كمال الدّين بالصور المسطورة داخل أحرف هذه القصيدة ثم بعد ذلك تسليط الضوء على مختلف مستويات الصورة الأدبية والفنية للشاعر وهو يمخُر عباب محيطات الحرف والنقطة.

يقول الشاعر:

"التقطنا معاً،

يا صديقي الحرف،

الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة

قرب الجسر

وقرب باب المدرسة

وقرب محطة القطارِ النازلِ إلى الجحيم.

وعلى مائدةِ النقطة

وكأسها المترعِ بالشوق

التقطنا صوراً عاريةً

إلا من الألم،

صوراً عاريةً إلا من صرخاتِ الليل،

صوراً عاريةً إلا من قميصِ الله.

نعم،

التقطنا صوراً ملوّنةً

بلونِ الغروبِ عند البحر

أو بلونِ الأمطارِ الأستوائية

أو ملوّنةً بغيومِ الشتاءِ البعيد

أو بظلالِ النساء

أو بنورِ الشمس

وهي تتعرّى على امتدادِ المحيطِ العظيم.

هذه الصور تسمّيها أنت،

وأنتَ على حقّ،

تسمّيها قصائد.

وأنتَ فرحٌ بها

لأنكَ ابتكرتها

وكنتَ فيها الظاهِر والباطِن.

أما أنا فسأموتُ دون أنْ أكتب

قصيدتي التي أقولُ فيها الحقيقةَ عاريةً

دون صور،

دون صورٍ من أيِّ نوعٍ كان!"

تبدو القصيدة في ظاهرها بريئة حدّ الموت، وخالية من أيّ فخ يكون قد نصَبه الشاعر عن قصد أو غير قصد للقارئ، وبراءتُها هذه هي التي تجعل منها نصّا في حاجة إلى قراءة مضادّة تقوم على التشكيك المعرفي وتكون المحلول الذي ستُنقع بداخله بيتا بيتا كي يتم الكشفُ عمّا بين ثناياها من رُموز وصُور جمالية.

يقول الشاعر في مطلع القصيدة: "التقطنا معاً،/ يا صديقي الحرف،/ الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة / قرب الجسر / وقرب باب المدرسة" وهي مقاطع يبدو فيها الشاعر وكأنه يخاطب صديقاً ما أعطاه اسما ربّما يكون وهميا كي يغطّي به اسمه الحقيقي. صديقا يُحتملُ أن يكون قد عرفه منذ سنين الطفولة وشاركه اللعب والذكريات البعيدة عند الجسر وعند باب المدرسة. لكنّ الأبيات التي تلي مباشرة هذا الجزء تجعل المتلقّي يشعرُ وكأن كلّ ما قدّمه لهُ الشّاعر من أفكار ومعلومات هي الآن على وشك أن تُنسف الواحدة تلو الأخرى أو كأنه أمام سلك كهربائي عارٍ ما إن تمسكُ به يدُه المبللة بماء البحث حتى تُصعق بتيار حارق يولّد بداخله سيلا عارما من الأسئلة:

ـ عن أيّ قطار يتحدّث الشاعر؟ بل كيف لهذا القطار أن يسافر بطفلين صديقين مازالا على عتبات المدرسة إلى الجحيم؟

ـ كيف تكون للنقطة مائدة ومَن أو ما تكونه هذه النقطة؟

ـ بل كيف يُمكن لهذين الصّديقين أن يلتقطا صوراً مع هذه النقطة وهم حول أو فوق مائدتها؟

ـ هل هذا الصّديق هو شاعر أيضاً، مادام قد سمّى الصّور التي التقطها مع صديقه بالقصائد؟

ـ وهل النّص يحملُ بين ثناياه هوية شاعرين أحدهما يكتب القصائد والثاني مازال لم يكتب قصيدته العارية إلى اليوم؟

يؤسفني أن أقول لك أيّها القارئ أن كلّ علاماتِ الاستفهام هذه لا فائدة منْها تُرجى، لأنّها تبدو وهماً أو سراباً بعيداً ما دُمنا أنت وأنا لم نضعْ يدنا على أهمّ صورة التقطها لاوعي الشاعر وقدّمها لك مفتاحا على طبق من فضّة كي تتمكّن من حلّ لغز قصيدته هذه بل قصائده جميعا: وهي الصّورة التي يسمّيها أهل البلاغة والنقد بالتشخيص أو الأنسنة، وذلك لأنه مشى على نهج تقنية نقل الكائنات الحيّة والجمادات التي تدرَكُ بالحواسّ المختلفة من عالمها الحسّي إلى عالم حسّي جديد تكتسبُ فيه صفات البشر، فتصبح شخوصاً ناطقة بالضّبط كما أصبحه "الحرف" هنا في قصيدة الشاعر، فهو شخص يتبادل الحديث والذكريات مع الشاعر عن قصائده العديدة أو صوره التي التقطها والشاعر في مواقف ومراحل حياتية مختلفة ومتنوعة.

فمن يكون هذا "الحرف"؟ وما جوهر هذه "الصور" التي التقطها مع الشاعر؟

يقول الناقد أ . د. عبد الإله الصائغ في كتاب (الحروفي):

"استطاع الشاعر أديب كمال الدّين خلق شعريته الخاصة من جهة التعامل الدؤوب مع الحرف والنقطة حتّى أنسن الحرف وأنسن النقطة! فأنت لا تقرأ حرفاً خالصاً كما تراه أنت أو أنا! وإنما تقرأ الحرف كما يراه الشاعر! وليس ثمة سوى التشفير أحياناً والتماهي مع الحرف أخرى وتمجيز الحرف ثالثة في فضاء لانهائي تتوحد فيه الأصوات والمرئيات والمشمومات والمجرات والحبيبات حتّى يعسر وضع حدود بين المحدودات! إذن (الحرفنقطة) باختصار واتساع شديدين عالم القصيدة والقصيدة أيضاً عالم الحرفنقطة! الحرف كلّ شيء وكلّ شيء الحرف! السماء حرف والأرض كذلك! القتلة حروف والمقتولون حروف! الحبيبة الطاهرة حرف واللعوب الغادرة كذلك! الثنائيات حروف الليل والنهار الموت والحياة الإبداع والأتباع حرف! ليس ثمة مشكلة على مستوى الرؤية! ولكن كلّ المشكلة في مشغل القصيدة! أن تحوِّل المحسوس مجرداً والمجرد محسوساً! أن تؤنسن مفردات الطبيعة أو تعيد مفردات الإنسان إلى الطبيعة!"[14]

نعم، لقد صدق د. عبد الإله الصائغ حينما قال إنّ المُعضلة الكبرى هي مشغل نصوص أديب كمال الدّين ذاتها باعتبارها جسداً يضمّ وحدات تصويرية بعضها كلّي وبعضها جزئيّ يصوغها الشاعر بالاستدعاء الوجداني فتصبح أحياناً وكأنّها وحدات تعبيرية صغيرة تمثل لقطة فنية تصويرية خاطفة وأحياناً أخرى تصبح جزءاً من تصوير مركّب أكثر شمولية تتشكل بداخله صور مركّبة وشديدة التعقيد وبعيدة الأثر كما هو الحال في الصور التي ضمّها هذا النّص.

ما الذي دفع الشاعر بأنسنة "الحرف" أولاً و"النقطة" ثانياً؟

للجواب عن هذا السؤال سيتمُّ تحليل اللقطات الفنية التصويرية الخاطفة أولاً ثم بعد ذلك الصور الأكثر تركيباً وتعقيداً:

يقول الشاعر في بداية النّص:

" التقطنا معاً،

يا صديقي الحرف،

الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة"

·        التقط + نا + معا

من البديهي ألا تكونَ هناك بين الفعل ونون الجماعة أيّة مسافة أو فاصل، فالعلاقة حميمية ومتماهية لدرجة الذوبان، وإضافة الشّاعر ل "معا" ماهي إلا بدافع التأكيد على درجة الحميميّة الكُبرى بينه وبين الحرف، هذه الحميمية التي تصبح أكثر وضوحا وتجليّاً حينما يُضيف عبارة "يا صديقي".

والنتيجة المتحصل عليها يمكن تشكيلها إذن كما يلي:

 

التقط + نا

الفعل هنا يدلّ على السّرعة في تخزين الصور، لكن (الشاعر لم يتحدث عن "العنصر المُصوِّر") هل هو عدسة آلة تصوير حقيقية أم هو عدسة العين المجرّدة؟

وفي هذه الحالة منْ كان يُصوّر منْ؟ هل الشاعر هو الذي كان يصوّرُ الحرف، أم العكس؟ أم أنهما معاً (مادامت "نا" هنا تدلّ على المعيّة والجماعية في القيام بالفعل ذاته) كانا يصورّان صورا كلٌّ بعينه أو كلّ بآلته التصويرية.

معا

يبدو أن هذه ال "معا" مشكلة حقيقية هنا، فهي وإن كانت من الناحية الإعرابية حالاً مؤوّلاً بمشتقّ «مجتمعين» منصوباً وعلامة نصبه الفتحة لفظاً والثانية للتنوين، فمِنَ المُحْتمل أنْ تكونَ حالاً كاذباً لهُ بزيفه هذا أن ينْسف علاقة الحميميّة التي سبقت الإشارة إليها قبل قليل:

ولو افتُرض أن كلّ طرف من أطراف الفعْل قد التقط لوحده صورا، فمن الممكن جداً أن تكون صُور كلّ واحد من الاثنين مختلفة عن صُور الآخر ومن الجَائز أيْضاً أن تكون المَعية هنا مَعية رفقة أو صُحبة في القيام بذات الفِعْل فتُصبح بذلك عبارةُ "يا صديقي الحرف".حمّالة أوجه وتفسيراتٍ مُختلفة. فإلى أي حدّ يُمْكن اعتبار هذا الأمر صحيحاً؟

يُكمل الشّاعر ويقول:

·        "الكثير من الصور التذكارية"

يعني أن الصّور كثيرة ومتنوعة، وبالتالي فإن العلاقة الجامعة بين الطّرفين استمرّت على طُول وامتداد فعل التقاط الصّور.

حتى عبارة "التذكارية" هنا لها من طابع الحميمية والقرابة ما يجعلُ القارئ يتساءلُ عن نوعيّة ودرجة هذه الصّداقة التي راكمَ الشاعرُ وصديقه الحرف بداخلها وعلى طولها كلّ هذه الصّور أو هذه الذّكريات.

ما الذي يقصدُه الشاعر بهذه الصّور؟

يجيبُ الشاعر سريعاً عن هذا السّؤال القلق فيسردُ لائحة من الصّور ويحددّ مَكانها ويرْمي كرة تحديد زمانها في ملعب المُتلقّي: إذن فالصّور مأخوذة قرْبَ الجِسر / قرب باب المدرسة / قرب محطة القطار النازل إلى الجحيم / على مائدة النقطة وكأسها المترع بالشوق.

لكن ليس هذا فقط فهو يمُدّ المتلقّي بعُنصر آخر ومعلومات أخرى عن هذه الصّور: فهي جميعُها عارية (إلاّ) من الألم / من صرخات الليل / من قميص الله. ولكنها في الوقت نفسه ملوّنة بلون الغروب عند البحر (أو) بلون الأمطار الأستوائية / بغيوم الشتاء البعيد / بظلال النساء / بنور الشمس وهي تتعرّى على امتداد المحيط العظيم.

كلُّ هذا يعني أنّه حَانَ الوقتُ للتوقف عند كلّ عنصر على حدة، وسيـُبدأ أولاً بعنصر المكان كدالّ على عُنصر الزّمان، ثم سيتمُّ الختمُ بالتوقف عند عنْصُري العُري واللون عبْر سؤال آخر يُحاول معْرفة كيْف يُمْكن الجمْع بين هذين العُنصرين المُتناقضين، أيْ كيْفَ يُمكن للصّور أنْ تكُون عارية وفي الوقت نفسه مُلوّنة؟

 

 

 

 

 

 

 

 

·        عنصر المكان

            

              الجسر

 

           باب المدرسة

قرب

          محطة القطار

          النازل

          إلى الجحيم

 

يبدُو أنّ تعبيرَ "باب المدرسة" هو مفتاح هذه المعادلة المكوّنة من ثلاث صور مختلفة الشّكل والمضمون. فالمدرسة كدالّ لغوي وثقافي تحيل على فترة التعليم الأوليّ الذي يبدأ من سنوات الطفولة وحتى سنوات المُراهقة بكلّ مراحلها وصعوباتها النفسية والفكرية والروحية. إذن فمن الدالّ المكاني أصبح الآن بالإمكان التحدث عن الدالّ الزماني. وهو الأمر الذي سيُسهب في معالجته في الجزء المتعلق بالعنصر الزماني.

 

على        مائدة النقطة وكأسها المترع بالشوق.

 

هل هذه النقطة امرأة؟ هل مائدتها مائدة خمرة؟ إذا كان الأمر كذلك فمن هم ندماؤها؟

إنّ الجَواب عن هذه الأسئلة ومحاولة وضع اليد على مفاتيح مكنونات هذه الصورة في معزل عن بقية أبيات النّص يُعدّ محاولة لا تُحْمدُ عقباها ومحكوم عليها بالفشل منذ البداية، ذلك لأنّ الاكتفاء بصورة أنسنة النّقطة في هذا المقطع لن يمدّ المتلقّي بأيّ تفصيلٍ ولا تأويلٍ ولن يقوده بأيّ شكلٍ من الأشكال إلى استخراج عُنصر الزّمان حتى وإن كان الأمرُ يوحي منذ الوهلة الأولى بمرحلة أخرى من حياة الشاعر تلت مباشرة سنوات قسوة الشباب والحرب ومقابلة الموت وجها لوجه لأكثر من مرّة وبشكل متكرّر.

يُكْمل الشّاعر أبياته ويقول:

" التقطنا صوراً عاريةً

إلاّ من الألم،

صوراً عاريةً إلا من صرخاتِ الليل،

صوراً عاريةً إلا من قميصِ الله."

قراءة هذه الأبيات تمدّ القارئ بعناصر جديدة يتوجب التوقف عندها عنصراً عنصراً:

ـ عُنصر العُري: وهو يتمفصل إلى ثلاث درجات تصاعدية تتجاوز بداية عتبة اللباس (الغطاء) ثمّ عتبة الجِلد (ما تحت الغطاء) وبعد ذلك عتبة الجسد الداخلي كي تتوقف عند درجة (داخل الدّاخل) أي قلب وروح الصّور حيث يوجد: الألم/الصراخ/ قميص الله.

 الوصول بالأبيات إلى هذه النافذة يعني أنه تم العثور على عنصر الزّمن والذي منه سيتمُّ الانطلاق نحو البحْث عن هويّة "النقطة" و"الحرف" اللذين أنسنهُما وشخّصهُما الشاعر بهذا الشكل العجيب.

·        عنصر الزمان

لقد تمّ تحديد زَمَن بداية التقاط الصّور وهي مرحلة الطّفولة أو قرب "باب المدرسة" حيث بدأت أسفار الشاعر وصديقه الحرف. لكن ماذا عن "الجسر"؟

الجسر ما هو إلا ذاك البرزخ الفاصل بين سنوات حياة الشاعر الأولى والسابقة عن زمن مرحلة التعليم المدرسي، ولعلّها إشارة لبداية علاقة الشاعر بالحرف داخل البيت الذي رأى فيه النور على يد مُعلمه "الحرف الأكبر" أو والده الذي كان ولم يزل البئر التي شرب منها أول كأس حروفية.

أصبح من الجائز الآن بعد هذا التصريح الحديث عن زمنين: زمن البيت وزمن المدرسة. وهما معا يشيران إلى الطفولة وبداية سنوات المراهقة.

ماذا عن القطار النازل إلى الجحيم؟ إنه يشير إلى سنوات الشباب بكل ما سبقها من ثقل تجارب الطفولة القاسية:{موت الأب بين يدي الشاعر الطفل المراهق آنذاك (طالع المزيد من التفاصيل عن هذا الحدث  في باب حوارات وعلى وجه الخصوص في نصّ الحوار الذي أجراه معه الأستاذ عبد الغني فوزي) وتجربة أولّ حبّ فَشِلَ وطارتْ فراشاته بدون عودة. (انظر قصيدة "حب" بديوان تفاصيل)}. وبكلّ ما حدثَ خلالها من تجارب أخرى أشدّها قسوة على قلب الشاعر، تجربة الحرب الإيرانية ـ العراقية، ولا أدلّ على ذلك من الكلمات التالية التي صرّح بها في نفس الحوار المشار إليه قبل هنيهات:"وفي شبابي التقيتُ بقتلى الحرب: الحرب العراقية الإيرانية. وكان مشهد القتلى القادمين بالعشرات بل بالمئات بل بالألوف- حين يشتدّ أوراها- يقلقني بل يمزّقني من الأعماق. كان الموت نشطاً جداً في حصد الرؤوس، رؤوس الشباب من الجنود العراقيين ومن الإيرانيين أيضاً. لماذا؟ كانت الأبواق الإعلامية العراقية تصوّر الحرب نزهةً! وتصورها انتصاراً تاريخياً! وكان عليّ أن أصف الموت وأتعايش معه- فأنا جندي أيضاً- وأخْفي ملامحه في قصائدي لتستطيع القصيدة أن ترى النور في زمن البروباكندا الإعلامية الشريرة التي استمرّت شديدة الصّخب في حرب عبثية ما بين (1980- 1988) لتنتهي الحرب بصيغة لا غالب ولا مغلوب. والحقيقة الصارخة كانت تقول بخسارة البلدين خسارة هائلة إذ مات الملايين من الجنود وأهدرت المليارات من الدولارات لشراء الأسلحة الفتاكة. وإذ خرجتُ من الحرب سليمَ الجسد لكن شيئاً ما قد مات في داخلي! لقد مات شبابي، إذ أنفقت عشر سنوات من أجمل سنوات عمري في مؤسسة الجيش الغبية وحرب العبث الأغبى هذه!"

بقي الآن الحديث عن عنصر آخر من عناصر اللحظات التي التقط فيها الشاعر وصديقه الحرف صورهما، إنه الليل، (انظر عبارة "صرخات الليل")، فالنقطة إذن تستضيف ندماءها ليلاً وتسقيهم كأس الشوق في حضرة الألم والصراخ وتحت عين الله وقميصه. ما معنى هذا كلّه ومتى تعرّف الشاعر وصديقه الحرف إلى هذه النقطة؟ هذا ماستتمّ محاولة التوصّل إليه عبر الآتي من الصفحات.

          الليل إذن هو رحم النفحات الربانية ومهبط الأسرار النورانية ومجمع الأخلاء، لكن ليس أيّ أخلاّء ولا أيّ ندامى، إنهم ندامى رموا كلّ ثوب وكل عالق أو حاجز وراء ظهورهم ودخلوا محراب النقطة عارين من كلّ شيء إلا من الله والألم والآه. وفي كلّ هذا إشارة إلى المرحلة الثالثة من حياة الشاعر، أي المرحلة التي لبس فيها خرقة العرفان أو كما سمّاها هو بنفسه "سنوات الثمانينات" في أكثر من حوار[15]. والليل إذا جاء واقفاً بين يدي العارف، وقف هذا الأخير بين يدي ربّه وقد رمى وراء ظهره كل علم وصورة، وصرف عنه كلّ شيء حتى يتمكن من رؤية النزول الرباني. أي أنّ العارف حينما يقف الليلُ بين يديه، عليه أن يلبس خرقة الجهل (قميص الله). لذا فلا معلوم في هذه الوقفة إلا الجهل الذي هو الحجاب الأدنى لله متى تجلّى في حضرة الليل أو حضرة السكون الذي يصبح فيه العارف طوع الشهود الوحداني غير ملتفت إلى علم أو إلى صورة حتى لا يأخذه البلاء الذي هو حرمان العارف من الله ومن مجلسه ورتبته ونوره.

إن السّؤال الذي تضرب مطارقه الآن هو: كيف احترق الشاعر أديب كمال الدّين بنار ونور النّقطة بل كيف تعرّف إلى جمال الخالق من خلالها وكيف عانقته النقطة وأدخلته إلى حدائق بهجتها؟

يقول الشاعر في مقطع آخر من قصيدة أخرى خاصة بالنقطة:

"مددتُ يدي إلى الله

إلى ما شاء الله

وإذ نظرَ إليّ برحمته التي وسعتْ كلّ شيء

لم يضع في كفّي المتوسلة ذهباً

ولا دنانير فضّة

لم يضعْ فيها سوى حرف صغير

كان يلتمع أملاً كعيدِ طفلٍ يتيم.

وإذ نظر الله إلى دمعتي الحرّى

وقلبي المحطّم

سارع ليضع وسط الحرف نقطة

فامتلأ قلبي ذهباً ودنانير فضّة

حكمةً وبهجةً ومحبّة.

هكذا كنتُ صحراء فكانَ الحرفُ جَمَلاً

هكذا كنتُ ضياعاً فكانت النقطةُ معنى

هكذا كنتُ حتّى امتلأتُ

هكذا طرتُ أنا وجَمَلي

طرتُ كغيمةٍ من نور.[16]"

هنا يبدو جليا أن شرط التعرّف إلى النقطة يقتضي التقرّب من صاحب النقطة وهو التقرّب الذي عبّر عنه الشاعر من خلال هذا المقطع: " مددتُ يدي إلى الله / إلى ما شاء الله"، مقطع بليغ يبدو فيه الشاعر عابداً ملحاحاً لا يكلّ ولا يملّ، فهو لم يشرط تقرّبه هذا لا بمكان ولا بزمان، لذا تراه حصل على العناية الربّانية عبر عين الرّحمة التي وسعت كل شيء، فكافأ صبره ووضع في يده أو في صحرائه الحرفَ، والجمل السفينة، ثم وضع وسط الحرف أو فوق ظهر الجمل النقطة التي صـارت معنى وغيمة من نور فكيف تكون إذن النقطة هي المعنى وما كُنه هذا المعنى؟

في ديوان (أخبار المعنى) يمدّ الشاعر أديب كمال الدّين القارئ بالجواب عن هذا السؤال فيقول: "ووصلتُ إليك أخيراً يا معناي، تعرّفتُ إلى أشكالكِ ذات الوقعِ اللّغزي: مربّع أطيافكِ، خطّ الحسراتِ الممتدّ إلى دائرةِ المنفى، ومثلثِ رغبتك الحيّ كما الأفعى، ومعين الضحكِ الأعمى، وزوايا فجركِ، ليلكِ، نومكِ وقت صراخ الشمس. تعرّفتُ إلى أشجاركِ: أشجارالجوعِ، الموتِ، الغضبِ الأسودِ حتّى أمسكتُ بأنهارك مستتراً من عريي الأزليّ: فرات الأطفالِ يطيرُ بعيداً عنّي، أغرقُ فيه، أضيعُ وأجلو عن لغتي ألماً يعصرها، قيظاً يوقدها تنمو، أتباركُ فيها، أدخلها فتنامُ بساقٍ غامضةٍ نحوالأعلى فأدوخُ وأبكي، يهبطُ فجر من قلبي وأدندنُ: جاءَ الطيرُ أخيراً من منفاه إلى كفّي، استتري فيّ ولا تنهمري. صاحَ فراتُ الأجدادِ المكتهلين بموتِ اللامعنى: انتبهِ اليوم لسرِّ الحرفِ بموضعها وتموضعْ فيها واثمرْ فالعمرُ حديثٌ خَرِفٌ يهذي..."[17]

معنى الشاعر هو معنى أمة لغة الضّاد والوحْي بأسرها، هو نقطته وهو فجر يهبط من قلبه فيجعله يدندنُ قائلا: "جاءَ الطيرُ أخيراً من منفاه إلى كفّي، استتري فيّ ولا تنهمري" ليعود بهذا يهتف ويؤكّد من جديد ما قاله سابقاً عن الكفّ المتوسّلة التي يضع فيها الله حرفاً ثم نقطة في وسطه فتصير بذلك نوناً، فما علاقة النقطة إذن بالمعنى وبالجمال وبالحرف وبالجمل وبالصحراء وبالغيمة ؟

يبدو ألا معنى فيما ليس بمعنى يدلّ على المعنى، فالمعنى كعنوان لشيء يدلّ على شيء آخر له معنى غير ظاهر في معناه، وذلك لأنّ له معنى آخر غيبياً أعطى له معنى كونه شيئاً يُعنى به شيء، فذاك هو المَعنى الذي يسعى إلى مَعرفة أسباب الكوْن والخالق والاتصال به ومعه، لذا فهُو معنى فوق كلّ فلسفة أو تفلسف، وهو ما يسمّى عند أهل العرفان بالعلوم اللّدُنيّة أو الفهوم الإرثية. والنقطة هي حقيقة المعاني كلها بل حقيقة حقائق الحرُوف ونسبتها للحرف هي كنسبة الذات الإلهية إلى الصّفات لذا فهي تظهر في كلّ حرف بما يقتضيه حُكم الحرف والذي هو أولا وأخيرا نقطة بإزاء نقطة إذ ما الحرف إلا مجموع نقاط ولولا النقطة ما ظهر الحرْف كما لولا الذات ما ظهرت الصّفات. ومعرفة الحرف فرع من معرفة النقطة ومعرفة الكلمة فرع من معرفة الحرف ومعرفة معاني الكلام فرع من معرفة الكلمة (وما قدروا الله حق قدره).

أما عن تجلّي الجمال من خلال النقطة ففيه بحر من الكلام لا ينتهي مداده ولا يحدُّ أشجار أقلامه حدّ، لأنّ الأمر يتعلق بالتجلّي الذاتي الإلهي الذي هو الذات في الذات بشكل لمْ تقو الموجودات على حمل سرّ هذه الذات ليس لأن الله استأثر بذاته ضنّا على المخلوقات، ولكن لقصور هذه الأخيرة عن علمها، إذ لو فُرض جدلاً أن ظهر الله للوجود بلمحة بارق من بوارق التجلّيات لانعدمت الدّنيا والآخرة في أسرع من رمشة عين، وبهذا يمكن التعرّف إلى مدى رحمة الله بعباده ورغبته في بقاء وجودهم، وكما أن الذات الإلهية لا تُدرك، كذلك النقطة لا تُدرك، إذ ليس في مقدور أحد أن يتوصّل إلى ما في النقطة من كمالات وأسرار، وليس في طاقة أحد أو شيء من الموجودات أن يتّسع لها، أما صورة النقطة في عالم القدس عند الله عز وعلا فهي الحقيقة المحمدية، أو الصورة التي أشار إليها الحروفي أديب كمال الدّين بصاحب الصحراء أو السفينة الجمل أو الرّجُل الذي صار غيمة من نور. فهو إذن النقطة المتّصفة بحقيقة سائر الموصوفات وهو الحاوي لما حوته النقطة بل هو الحقيقة النُّقطية، فهل ثمة في الوجود من يضاهي محمداً في الجمال والبهاء والكمال من البشر وغير البشر؟ (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). محمّد مهبط الوحي ومنزل الملائكة ومظهر الصفات الإلهية، محمد الذي تنتسب نقطة ميمه البيضاء إلى النقطة المطلقة كما ينتسب العرش من الاستواء، إذ كما أن العرش محل الاستواء الرحماني فكذلك الميم المحمدية هي محل النقطة وظهورها، وكما أن هيكل نبي الرحمة ظاهر في الوجود بالصفات الإلهية الكمالية فكذلك باطنه الموصوف، لذا فالنقطة وإن تعدّدت حروفها فهي حقيقة واحدة كما يتعدد الأشخاص مـن النوع الإنـساني.

لكن مهلاً، مادامت هذه هي النقطة وسليلها الحرف فما سرّ بعض التصريحات التي باح بها الشاعر لأكثر من ناقد، نشرت في أكثر من حوار وعلى أكثر من موقع وصحيفة؟ ما سرّ قوله للدكتور شاكر نوري:"إنّ العالم ممثل كله في القرآن، والقرآن كله في الفاتحة، والفاتحة في البسملة، والبسملة في الباء، والباء في النقطة، وأنا النقطة."[18] وللأستاذ علي الإسكندري: "أنا النقطة وأنا الحرف حامل السرّ الإلهي دون شك"[19]

هذا هو ديدن أديب كمال الدّين، إذ ما إنْ يُسهب في توضيحِه لمفهومٍ ما داخل مقطع ما من مقاطع قصيدته، حتى يُسارع مباشرة إلى نسفه، تاركاً القارئ والنّاقد غارقيْن في بحار من الذّهول والارتباك، كيف لا وهو القائل:     "حبّكِ ناطحةُ سحاب / حلمتُ بها / وخططتُ لها وبنيتها طابوقةً طابوقة / وحين اكتمل البناءُ العظيم / نسفتـُها من الأعماق."![20]

كون النقطة حسب تعريفات التراث الصوفي الإسلامي هي مركز الكون وكونها كامنة في الصورة المحمدية والباء العلوية فكيف لها أن تصبح هكذا فجأة وبدون مقدّمات أديب كمال الدّين نفسه؟ إنّ هذه التصريحات على قدر ما تبدو خطيرة إلا أنّ لها علاقة حميمة بما يسمّى في علوم العرفان بمفهوم التّماهي مع الشيء، وهو في حالة الشاعر له مستويان من القراءة، الأوّل يخُصّ التّوظيف الشعري للنقطة والحرف كرمز يستمدّ طاقته من التراث العربي الإسلامي بكل منابعه الأسطورية والتاريخية والدّينية واللغوية، والثاني يهُمّ التوظيف الصّوفي الخاصّ برحلة الشّاعر الشّخصية في عوالم العرفان وطريق خرقة العشق وعصا الجمال، الشيئ الذي يعني أنّ الشّاعر من كثرة جُلوسه ليلاً على مائدة النقطة وشُربه من كأسها المُترع بالشوق وبالحروف العاشقة انْصبغ بها وصار هو نفسه نقطة وحرفا سرى في كل حرف من حروف الأبجدية، وهذا ما يفسّر كون أديب كمال الدّين يبدو للقارئ تارة ألفا وتارة نونا وتارة باء وتارات أخرى ياء وهكذا دواليك. وذلك لأن الحروف سرت فيه حتّى استولت عليه وهو أمر يُرى جليّاً في هذا النّص المُستلّ من ديوان (أقول الحرف وأعني أصابعي):

"قالت حروفُ الحقّ

وهي تناقشُ في الألفِ الشاب:

هل سَيُكْتَب له أن يعيش؟

بل هل ينبغي أن يعيش

أو ينبغي- ربّما- أن يموت!

قالت حروفُ الحقِّ كلاماً كبيراً

وكلاماً كثيراً.

نصفه غامضٌ ولا تذكره الذاكرة،

ونصفه لا يُفسّره إلا العارفون.

وحدهُ الحاء

قال: اتركوه فهو شمسي.

هو مَن سيذكرني كلّما هلَّ اسمي.

وسيكتبُ عن رأسي وقد تناهبه الغبار

وحُمِلَ فوق الرماح

من بلدٍ الى بلد

ومن عطشٍ إلى عطش

ومن واقعةٍ إلى واقعة.

بل إنّ رأسي سيكون قصته

ودمي لوعته

وأنيني نبض قلبه.

قال: اتركوه.

هل ستناقشون أخطاءَه؟

نعم، سيقعُ في الخطأ

لينجو إلى خطأ آخر

وسيقعُ في الظلام

ليرتحل الى ظلامٍ جديد.

لكنّه مثلي

سيموتُ غريباً

في البلدِ الغريب.

وستطفرُ دمعته

كلّما غابت الشمس

حزناً عليَّ وعلى آلِ سرّي.

قال: اتركوه فأنا منه وهو منّي! "[21]

لكن هناك شيء آخر أكبر من كلّ فهم وتفسير في هذا النّص، فهو لا يريدُ القولَ فقط بأنّ الشاعر قد اصْطبغ بالحرف وصَار حرفاً ولكنّه حرف تناقشت أمره الحروف الأخرى طويلا إلى أن قرّرت حاء أحمد ومحمد، وحاء الحُبّ والفرح أن يخرُج عنها أو عنْ نفسه كيْ يكتب عن محمد وآل سرّ محمد وعن قصة الرأس وغربة أهل الرأس المقطوعة . ومن هذه الحقيقة تلمع بارقة أخرى تسأل في إلحاح وتقول: "هل يحقُّ للحرف أن يخرج عن الحروف الأخرى؟" والجواب نعم، يُمكن لهذا الأمر أن يحدث وفي هذه الحالة يُسمّى العارفُ الخارج عن نفسه خارجاً عن الحرف بفعل تجلّ إلهي وهو لذات السّبب يُعتبر من أهلِ الحضرة، وهو في الوقت نفسه من أهل موقف السّؤال المعنوي، أي أنّ العبْد بعد التجلّي يصبح قابلاً لتلقّي العلم اللّدني، فيسأله الله ويعلّمُه ويبدأ العارِفُ رحْلة الجواب بعد حُدوث التعرّف ثم ينتقل بعد ذلك إلى رحلة الإخبار عن الله وهذا المسار هو الركيزة التي يقوم عليها ديوان (مواقف الألف)[22] الذي هو مجموعة من مواقف تنتمي كلها إلى السّؤال الذي يليه الجواب مباشرة. وكلّ هذا هو مدعاة لما يسمى بفرح الحرف، ذلك أن أولى ظهورات الحرف تدخل في حركة الزمن الرّاقص المؤشّر عن ظهور حركيّة متناغمة خارج ما يسمّى بعوالم الفوضى.

وبالعودة إلى النّص الأول الذي تمّ الانطلاق منه، يبدو جليّاً بعد هذه الرّحلة التحليلية، أن من كان كلّ هذا العمر يلتقط الصور العارية هو أديب كمال الدّين نفسه ولا أحد غيره، فهو الشاعر وهو الحرف الصديق في الوقت ذاته وهو النقطة أيضاً، وما بين كلّ هذا كانت هناك رحلة شعرية طويلة ومختلفة ومتنوعة في الإفصاح عن كمّ العذاب الهائل الذي عاناه وهو في العراق من الحروب والحصار والاستبداد والطغيان وتكميم الأفواه والاستخاف العجيب بمصيره وبأهله، فصار لزاماً أن يُفصح ويشير، وينطق ويبوح بما لا ينبغي أن يُباح به سيما وأنه هو نفسه مادة هذه المعاناة والمركز الذي ناء بها[23].

الصّور إذن التي التقطها الشاعر كانت عارية إلا من كل ّهذا الألم وصراخ الليل وحرف الله ونقطته، لكنّ أديب كمال الدّين يقول إنّ هذه الصور تجمع إلى عنصر العري عنصر اللون أيضاً:

"نعم،

التقطنا صوراً ملوّنةً

بلونِ الغروبِ عند البحر

أو بلونِ الأمطارِ الأستوائية

أو ملوّنةً بغيومِ الشتاءِ البعيد

أو بظلالِ النساء

أو بنورِ الشمس

وهي تتعرّى على امتدادِ المحيطِ العظيم.

هذه الصور تسمّيها أنت،

وأنتَ على حقّ،

تسمّيها قصائد.

وأنتَ فرحٌ بها

لأنكَ ابتكرتها

وكنتَ فيها الظاهِر والباطِن."

كما توضح الأبيات، فالألوان في هذا النّص خمسة:

ـ لون الغروب عند البحر

ـ لون الأمطار الأستوائية

ـ لون غيوم الشتاء البعيد

ـ لون ظلال النساء

ـ لون نور الشمس

وهي كلّها ألوان تدلّ على سفر الشاعر الطويل مع الحرف والنقطة، لذا فمن الجدير التوقف مليا عند كلّ لون:

1)    لون الغروب عند البحر

هذه صورة تشكيلية تتكوّن من لونين أساسين: لون الغروب ولون البحر. ويوجد بداخلها عنصران مهمّان مستتران: الشمس والسماء. وبعبارات أكثر وضوحا يمكن تفكيك الصورة بهذا الشكل:

ـ الألوان = أحمر+أزرق

ـ الشمس = النقطة / السماء= المائدة     

ـ الغروب / وجميع عناصرالصورة تقود كلّها إلى بداية النّص الشعري الذي تحدّث فيه الشاعر عن (النقطة وكأسها المترع بالشوق)

فالنقطة إذن هي الشمس المكتملة، وهذا دالّ يجد صداه في المعادلة التي تمّت الإشارة إليها قبل لحظات:

"الشمس = النقطة / السماء= المائدة"   

لكن على الرّغم من هذه المحاولة التفكيكية البسيطة إلا أنّ المعنى مازال يكتنفه الغموض، والصّورة لا تزال تغوص وسط كتل من الضبابية والإبهام، لذا يتوجب التوغّل أكثر وأكثر في نصّ الشّاعر بل في بقية المجاميع الأخرى علّ صنّارة الدّارس تعثرُ على سمكة تحمل في بطْنها جوابا على الأسئلة التي تحُوم حول صورة الغروب هذه، وعندي اليقين بأنك لن تخيب أيها القارئ الصيّاد المتلحّف بخرقة الصّبر، فالحرف العربي وشجرته لهما من الكرم والجود ما يفوق أيّ تصور وخيال ودليلي على ذلك هذه الليرة الذهبية التي أحملها لك الآن بين يدي وأقصد بها قصيدة (غروب النقطة)[24] ففيها الجواب الوافي عن كلّ ما يكتنف صورة لون الغروب من غموض، وهي التي سيتمّ التوقف عند أجزائها ومقاطعها مقطعا مقطعا:

يقول أديب كمال الدّين:

"أنا النقطة،

أنا الشمسُ المكتملة،"

هذان البيتان يحلاّن لغز من يكون البحر؟: إنه الحرف. والحرف كما تمّ إيضاحه سابقا هو الشاعر: "التقطنا معا / ياصديقي الحرف / الكثير من الصور التذكارية".

والشمس أو النقطة هي مكتملة والبحر لانهائي كالسماء التي يستمد منها لونه، السماء التي هي في الوقت ذاته المائدة والكأس المترعة بالشوق، والشوق لونه أحمر، لون النقطة الهابطة الذائبة في البحر.

وأنتَ البحر اللانهائي،

أيّها الحرف،

أهبطُ فيكَ شيئاً فشيئاً

حتّى أختفي تماماً

هذا المقطع مليئ بالحركة والإيقاع:

الهبوط هو نزول، والنزول كان من الممكن أن يكون له دويّ قويّ لولا أن تدخّل الشّاعر واستخدم عبارة "شيئا فشيئا" التي توحي بحركة ولوجية هادئة عبر باب الرّحمة واللطف، وإلا لكان نزول النقطة في الحرف قد أودى بحياته أو بحياة الشاعر نفسه. الحركة إذن أو الدّوي المتوقع يتحوّل إلى صمت كامل عبر عملية الاختفاء التام الذي هو مرادف للذوبان أي لفناء الشيء في الشيء، وانصباغ الشيء بالشيء مادام الحديث هنا يدور عن الألوان. (انظر الجزء الذي سبق فيه الحديث عن انصباغ الشاعر بالحرف وبالنقطة).

لا تفوتني الإشارة إلى طبيعة اتجاه الحركة والتي يمكن تقسيمها إلى نوعين: حركة ظاهرة (من فوق إلى تحت/ من الخارج إلى الداخل) وحركة مستترة تتم في كل الاتجاهات (شرقا وغربا / شمالا وجنوبا / داخلا وخارجا / وخارجا وداخلا) وهذا يتطابق من فكرة الامتزاج والتمازج بين الألوان.

أما عن فكرة الصّمت فإنه لا يقصد بها الصّمت المتعارف عليه ولكن الصّمت الذي يحمل في داخله صوت الصّخب الذي تنقله الموجات "المافوق صوتية"، فنزول الأحمر في الأزرق يستمد صوته الصاخب من حركة النور والظل الذي يحمله كلّ لون من هذه الألوان، ناهيك عن الصّوت الذي يُحدثه الجسمُ المُنصهر في المادّة السائلة (الماء)، وعمّا قد ينشأ عن الانصهار بفعل الحَرارة والتمازج بين جسم حارّ وآخر بارد من أفعال تخليقية وتخلّقية لها أصواتُ كلّ حرف من حروف الأبجدية وخاصّة منها ذات الطبيعة النارية الحارّة.

يستمر الشاعر في الإلقاء ويقول:

لتصبح أحمرَ بدمي، 

بمحبّتي،

بطيورِ طفولتي.

لون النقطة (الشمس) إذن أحمر، ولون الحرف (البحر) أزرق وذوبان الأحمر في الأزرق وفقا لنظرية الألوان وتقنية المزج لابدّ وأن تعطي لونا ثالثاً هو (البنفسجي). لكن ريشة الشاعر تتحدث عن البحر الذي أصبح لونه أحمرَ. هذا يعني أن البحر انصبغ بالنقطة، مع العلم أن البحر لم يكن أبداً أزرق اللون، وإنما له لون الماء، أي لون الحياة المتخلقة من الماء أو لون القصيدة التي يخطّها لنا الحرف ويلقيها الشاعر على مسامع المتلقّي سواءً عبر الكتابة أو عبر الصوت:."أيها الحرف/ يا من تقرأ لوح حياتي، أعني قصيدتي/ هكذا أختفي فيك وبك ومعك، لأكون لانهائية فيك وبك ومعك" (انظر المقطع الثاني من القصيدة نفسها)

هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن كل هذا الحدث الكوني والتخلّقي عبر ذوبان النقطة في البحر أو دم الشمس والجَمال في ماء الخليقة لا يمكن إلا أن يكون حدثا سعيداً تشدو له عَصافير الطّفولة الملونة بالمحبّة الحمراء التي يصفُها الشاعر في المقطع الثالث من قصيدة (نوم)[25]

" المرّة الوحيدة التي أفقتُ فيها من النومِ سعيداً

كانَ الوقتُ عيداً

وكانَ حذاءُ الطفولةِ الأحمر قرب مخدّتي

يحرسُ سعادتي!"

 

2)    لون الأمطار الأستوائية

ربّما تكون أوّل بادرة تخطر بذهن القارئ ساعة وقوع عينه على هذه الصّورة، هي ربط فحواها اللغوي بالمنطقة التي يعيش فيها حتى اليوم الشاعر أديب كمال الدّين، باعتبار أن المناخ الأستوائي هو السائد في نحو ثلث مساحة أستراليا بأسرها، لكن ثمة سؤال تقضم دابّته في صمت منسأة البحث ويقول:"إذا كان الأمر كذلك، فما علاقة أستراليا ومناخها الأستوائي بلون غروب النقطة في البحر؟"، الحق أقول، أن السؤال قد يبدو غريباً أو غير ذي فائدة، لكن على غرابته وربّما عدم جدواه، فإنه يحمل عناصر قيّمة تستندُ على عصا التفكيك الدلالي علّها تمكّن من الوصول إلى ما قد يكون المَعنى الحقيقي الكامن وراء هذه الصّورة الغارقة في الماء. ويبدو أنّ كلمة "الأستوائية" هي المفتاح الأول لفتح باب المعنى على مصراعيه، مادامت كل كتب الجغرافيا تقول بأنّ المناخ الأستوائي يتميز بالحرارة المرتفعة والأمطار الغزيرة التي تسقط طوال العام. وسبب هذه الأمطار الغزيرة يرجعُ إلى استواء أشعة الشمس على مناطقه في فترات معينة من السّنة؛ والمؤدي بالتالي إلى ارتفاع نسبة التبخّر.

إن العنصر الأقوى في هذا التعريف المبسّط لأهمّ خصائص المناخ الأستوائي هو عبارتا "الحرارة المُرتفعة" و"ارتفاع نسبة التبخر" لأنهما تقودان مباشرة إلى البيتين اللذين سبق الوقوف عندهما (أهبط فيك شيئا فشيئا/ حتى اختفي فيك تماما) وإلى ما حُكي بصددهما عن مفهوم الهُبوط الصّامت مجازاً، مادام هذا الصّمت يحملُ بداخله صخب الانصهار والتخلّق. الانصِهار الذي يعْني وُجود حرارة مرتفعة جداً وهذا بدورِه يعني وُجود عملية تبخّر والتبخّر يؤدّي إلى تراكُم كيميائي للسّحاب والضّباب الأحمر، مادام هو صَاعدٌ من البحْر الذي ذابت فيه النقطة وأعطته لون دمها، والسّحب المتراكمة تعني سقوط أمطار غزيزة حمراء وربما أيضاً سوداء أو صفراء ناتجة عن استواء أشعة الشمس أو النقطة.

فالأمطار الأستوائية إذن لها لون دم الجمال كما قال الشاعر في إحدى قصائده:

 

"كانت النقطةُ دمَ الجمال

 دمَ المراهقة

 دمَ اللذة

 دمَ السكاكين

 دمَ الدموع

 دمَ الخرافة

 دمَ الطائر المذبوح.

كانت النقطةُ دمي

أنا تمثال الشمع." [26]

النقطة إذن هي الدّم الذي سال نوراً من الله المطلق الديمومي الأزلي الجمال، وهي جوهر النور الذي اهتزت له الظلمة وتزلزلت فخرج منها أول شكل في الخلق دالا على جمال الذات الإلهية الشريفة المتمثلة بالرقم الواحد (1) رمز الأحدية وبالحرف الملك (ألف) تصديقا لقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} فوقع الاحتراق ومنه تولد عنصر النار وعنه تبخّرت الغازات الطيّارة فكوّنت دائرة أصبحت النقطة مركزها وتشكل حرْف النون وأقسم الله عز علاه بهذا الحدث وقال:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فسالت النقطة وصارت ألفاً وصار الألف قلماً يُسطّر كلمات الله الأزلية ومن أبخرة دائرة النقطة والنون تكوّنَ الماءُ والهواءُ أو ما يسمّيه أهل الفيزياء بعُنصر الخلق والتخلق. وتلتهُ بعد ذلك النّار ثم التراب فاكتملت لهذا كله دائرة الرمز السرّي للخلق والجمال الإلهي، فتعرّف الله إلى حقيقة نفسه واحتفظ بحقيقة معرفتِه لهُ وحده لا يشاركه فيها أحد.

 

3)    لون غيوم الشتاء البعيد

 

الشّتاء هو ربيع[27] والرّبيع إذا بعُد صَار لهُ طعمُ الذكرى والذكرى إذا كانت نديّة بالغيم الحابل بالمطر وخضراء بلون المَحبّة وحمراء بلون العشق والحياة صارت دالة على الطفولة[28] طفولة الشاعر وطفولة الكون باعتباره جزءاً من قلب الشّاعر العَارف. وليستْ هذه هي المرّة الأولى التي يتحدّث فيها أديب كمال الدّين عن لوْن الشتاء البعيد بل ثمّة قصيدة مغرقة في البعد أيضاً كتبها في أوّل ديوان صدر له وسمّاها (النبي الصغير) وهي التي سيمكن الوصول من خلالها إلى ما يقصده حقا الشاعر بهذا اللون وهذه الصورة. يقول أديب إذن في مقطع منها:

" الشتاءُ نبيّ صغير،

ملعبٌ للزمانِ القديمْ،

لحظةٌ للفراشِ المغطّى بلونِ القصائد[29] عند اللقاء الأخيرْ.

الشتاءُ نبيّ صغير

أطفأ الضوءَ لكنه عادَ وقت المساء الوحيد

مثل أرجوحة بللتْها الظهيرة.

///

الشتاءُ نبيّ صغيرٌ فلمّي التي صوتها

غابة من زئير البنفسج

صوتها النوم في بركةٍ للطفولة

والتي غادرتْ ليلها مرّةً

فاشترتْ دفتراً سجّلتْ فيه أشجارها

سجّلت فيه شيئاً ونامتْ

مثلما الطفل عند اشتهاء البكاء الأخير."[30]

المقطع كلّه موزع بين قاموسين رئيسين: قاموس الشتاء بمائه ومطرِه وربيعه (البركة / الضوء / الفراش / غابة / البنفسج / الأشجار)، وقاموس الطفولة (صغير / ملعب / الزمان القديم / أرجوحة / للطفولة / الطفل عند اشتهاء البكاء الأخير) وهذا مايمكن تسجيده عبر التخطيط التالي:

 

البحر

تمّ الانطلاق من عنصر البحر باعتباره المكان

الذي انصهرت فيه النقطة وصعدت منه الأبخرة التي

         صارت غيوما وأمطارا أستوائية ثم شتاء بلون الربيع والطفولة

 

الغيمة                                         +                                    المطر

 

غابة+أشجار+بنفسج

+

الأرض

(لم يتم ذكر اسم الأرض لكنه

عنصر موجود وإن كان مستترا

فلكي توجد الغابة والشجر والبنفسج لابد لهم

من الأرض التي هي جسد الكون

وجسد القصيدة وجسد الشاعر)

=

الطفولة

 

لا شكّ في أن المشيَ على هذا الحبل الشائك والخاصّ بالطّفولة الكونية وبمراحل التّخليق والخلق الكوني سيؤدي إلى الوصول إلى أخطر المواقف وأشدها وطأة على الشاعر إنه موقف المطر والماء وما يتبعه من غرق بل من أمل في النجاة من هذا الغرق.

يقول أديب كمال الدّين في ديوان (مواقف الألف)[31]:

"أوقَفَني في موقفِ الماء

وقال: قِفْ على الماء.

فقد جعلتُ من الماءِ كلَّ شيءٍ حَيّ.

فَوقفتُ."

هذا المقطع قائم على سورة قرآنية هي المفتاح الأكبر لآية الخلق والتخليق برمّته، وهي لها صلة وطيدة بما سبق شرحه عن لون غروب الشمس وسط البحر وما تلاها بعد ذلك من تفاعلات كيميائية أدت إلى حدوث المطر الأستوائي. فأديب كمال الدّين منذ بداية قصيدة "الكثير من الصور" ومرورا بقصائد أخرى تصبّ في القصيدة نفسها محطّ الدرس وصولاً إلى نصّ "موقف الماء"، يريد إيصال فكرة علمية عظيمة مفادها أن أولّ الخلق جميعاً هو المَاء تصديقا لقوله تعالى في سورة هود (آية 7): " وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ".

لكن يبدو أن صُورة الوقوف على المَاء في هذه الأبيات، لهَا وقع أكبر وأعظم على نفس المتلقّي من الفكرة العلمية ذاتها، إذ أنها تُؤذن بوقوع خطب خطير وهو "الغرق"، فالمتكلّم هنا يبدو وكأنه في مرحلة الحبْو، فهو يتلقى الأمر التعليمي الإرشادي من اليدِ التي توقفه على المَاء ثم تحيطه بالعناية الكاملة حتى نهاية السّفر المائي. قد يتبادر إلى ذهن المتلقّي بأنّ في الأمْر مبالغة أو محاولة للتشبه أو التماهي مع من وقفوا أو مشوا على المَاء من الأنبياء والقديسين، كالنبي عيسى (ع)، إلا أنّ أديب كمال الدّين أظهر في أكثر من نصّ بأنه غير مشغول بالتشبه بأحد ولا بالتماهي مع أحد فقد أقفل باب النفس عن كلّ مظهر من مظاهر الغرور والتفاخر، والدليل على ذلك المقطع الشعري نفسه، فهو قال: "أوقفني" أي أنه لم يقف لوحده على الماء.

ويكمل ويقول في قصيدته:

"ثُمَّ قال: امشِ. فمشيتُ.

مشيتُ حتّى الخطوة الثانية

وفي الثالثةِ غرقتُ.

فمدَّ لي يداً من نور"

الموقفُ في ظاهره موقف ماء، لكنه في باطنه موقف جنيني يُفصّل مراحلَ التكوين بدءاً من التّلقيح إلى التخصيب داخل رحم الكون، وصولاً إلى الغرق وسط ماء الكون، هذا الغرق الذي حدث لأن العارف اكتفى في بداية الطريق بالسلوك والعبادة والمجاهدة كلوح تُرجى من وراء ركوبه السّلامة، لكن هذا لا يعني أنّ من شروط النّجاة ترك العبادة، بل المُراد هو أن يُترك اعتبارها من القلب، لأن في ذكرها منّة على الله تعالى، ولأن المُعوّل عليه يجبُ أن يكون المُسبّب (يدا من نور) لا السّبب.

ثم يقول:

"فقال: انجُ. فنجوتُ.

وفي الخطوةِ الأربعين زُلزِلتُ

حتّى عبرَ جسدي بحرَ الظلمات

قِطَعاً قِطَعاً.

وصارتْ كلُّ واحدةٍ فوق جزيرة

فدعاهنّ فجئن

على هيئةِ طائر

ثُمَّ على هيئةِ طفل

ثُمَّ على هيئةِ إنسان.

ثُمَّ فتحَ لي باباً وسط الماء

وقال هذا باب النجاة."

في هذا المقطع يبدو وكأنّ المتلقّي أمام خليل الله إبراهيم (ع). أو بتعبير أصح أمام تجربة إحياء الموتى بعد واقعة الغرق. ويبدو الشاعر وكأنه أحد تلك الطيور الأربعة التي صرّها إبراهيم إليه ثم أرسلها إلى الجبل ثم دعاها إليه فعادت حية تُرزق، فتحقّق له كما تحقّق للشاعر فعل الإحياء وفعل التّخليق بكل مراحله من الطفولة حتى الوُصول إلى صورة الإنسان الكامل.

ثم يختم القصيدة ويقول:

"فانزعْ عنكَ كلَّ حرفٍ إلا حرفي

وكلَّ نقطةٍ إلا نقطة نوني.

واخرجْ فإنّكَ عريان

خُلِق الساعةَ كي يمشي فوق الماء.

لن تغرق بعد الآن.

فافرحْ لأنّي جعلتُ الماء

يتبعُ خطواتكَ أنت

ويمشي بإشارةِ قلبِكَ أنت،

قلبك الذي هو قلب الماء."

لا حرفَ إذن إلا الألف ولا نقطة إلا النّقطة المحمدية، ولا ماءَ إلا حليب الكاف والنون، ولا لونَ إلا لون نور الشمس الذي هو قلبُ الشّاعر العارف بل قلب الماء (وهو اللون الذي أشار إليه الشاعر حينما حدّد مختلف ألوان صوره، لذا فسيُتجنّبُ التطرق إليه فيما سيأتي من التحليل تفاديا للتكرار والإطناب في القول). لكن ما للشعر والماء في قصائد أديب كمال الدّين؟

يتعلق الأمر بمفهوم "العارف الطفل"، الذي يعشق الكون (الأمّ)، قبل أن يعرفهُ ويراه، لذا تجد الشاعر يصفُ بحماس هذا الكون ويُظهر تجاهه فضولاً دائم التجدّد، وهو شعور لا يمْكنُ أن يوصف إلاّ "بالبَنَويّ"[32] وهذا هو السّبب الرئيس الكامن وراء كون قصائد الشّاعر هي قصائد سائلة بامتياز، تنطلق في سيلانها هذا من قوة إسقاط الخيَال أو من القوّة التي تستولي على كلّ الصّور التي اختارها الشّاعر كي تضعها في المنظور البشري الأكثر نقاء: منظور الأمومة، ولعلّ هذا فيه تعويضٌ لغيابٍ أليمٍ عن طريق إعطاء صفة اللاّمحدودية لصُور البحْر حتّى يجْعل منهُ استعارةً جديدة للحُبّ القديم الذي يحمله كلّ إنسان في قلبه: الحُبّ الأمُومي[33].

إذن كلّ ماهو سائل في نصوص أديب كمال الدّين هُو في الأصل ماء وإن كان ثلجاً، أو موجاً، أو كان بلوْن الدّم أو العسل الأسْود، ولعلّ هذا ما يُعطي للنّص هذه القوّة الخارقة القادرة على التجدّد والتخلّق باستمرار.

وهذا ما يبدُو جلياً من خلال الرسم الكرافيكي التالي، والذي يُحاولُ أن يسلّط الضوءَ على عُنصر السيلان الذي تعوم فيه قصائد أديب كمال الدّين[34]:

 

الصورة رقم 1

النتيجة تفوق كلّ تصور وخيال: لقد تساوى الماء والمطر (248) والبحر (248) في نصوص الشاعر وتبعه تدفق الدّم (219) ثم الدّمع (188)، وهذه حقيقة تقودُ مباشرة إلى أوّل لون تحدث عنه أديب كمال الدّين في قصيدته "الكثير من الصور": لون الغروب عند البحر. إذن فالشاعر يُقدّم صورة البحر الكوني ليس فقط بشكل شاعري وأدبي وإنما بشكل فيزيائي أيضاً، ولا يحرمُه أبداً من عنصر الضّوء والنّور وذلك حتى يمكّن المتلقّي من رؤية ما لا يُرى بالعين المجرّدة أو من رؤية المُكوّنات التي يتمظْهرُ الخيالُ الماديّ منْ خلالها، لذا فإنّ صورة الماء والشّمس الحاضرة التي تذوب وتصيرُ دماً وسط البحْر في كلّ الدواوين هي صورة مادة صافية تحتضنُ كل عناصر الخلق والتخليق بشكل يجعلُ منك ومني ـ أيها القارئ الكريم ـ مُشاهداً يستحمُّ وسط النّورِ بانتشاء فيزيائي، لأن هذا يُذكّرك ويذكرني بقديم رغد العيش وبعذوبة الغذاء الأوّل حينما كُنّا أنت وأنا مجرّدَ ذرات دسمة تفتح فمها كي تمتصّ في كسل نسغ الحياة وسط مشيمة الكون الأكبر.

4)    لون ظلال النساء

 

الماء المتدفق نهراً أو موجاً، دماً أو دمعاً، عسلاً أو خمراً بكلّ هذا الإحساس البَنويّ الهائل كان لابدّ له كي يصبح أكثر جمالا وعذوبة وسحرا من حضور عُنصر "المرأة" أو "الأنثى"، فحضور "لون النساء" إذن وإن كان مجرّد ظلّ، هو ضروري، وإلا لكانت كل الألوان قد غرقت في مللها الفيزيائي والفلسفي والوجودي. فالمرأة هي نقطة الروح وهي كأس الحبّ المقدّسة ولولاها لكان ماءُ الكون هذا مليئاً بالضجر بدلا من السّعادة والمسرّة، ولولاها "لضاع المعلم والمعلّم وضاع السرّ وحامل السرّ وكاشف السرّ."[35]. هي وحدها عبارة "ظلال النساء"، أضْفت الحياة على هذا البحْر العظيم الذي غرقت فيه أو سقطت وذابت فيه النقطة أو الشمس، فالنساء حينما سكنّه حوّلنه إلى كون مليئ بالحياة والرغبة والجمال والحُلم وبالموت أيضاً. لكن لماذا كلمة "ظلال"؟ إنها مسافة تفصلُ الشاعر وتبعدُه عن المرأة مادام الظلّ شيئاً بعيداً في الذاكرة، أو حضوراً استدعائياً لشيء مُغرق في الغياب عبر الظل وليس عبر المادّة الجسدية نفسها. الجوابُ عن هذا السؤال قد يكون هنا، في هذه الكلمات:  "المرأة لوحدها هي التي تستطيع أن تكسر حاجز الملل، لكنّها عند الشاعر تستطيع أيضاً أن تكسر حاجز الصّوت أيضاً! وهي تستطيع أن تصبّ في روحه الفرحَ صبّاً مثلما تستطيع أن تكسر له زجاج روحه ليبقى ملتاعاً حتى النفس الأخير. هذه هي الأنثى: جسد ورماد، قصور وخرائب، حياة وفناء.

أما عن الانسجام بيني وبين الأنثى، فأنا آخر مَن يحق له الحديث عن هذا الانسجام! لأنه انسجام لا وجود له من قريب ولا من بعيد! ربما يكون الحديث عن علاقة الارتباك مع الأنثى أو التضاد هو الأدق. وسترى أن قصائدي تكافحُ من أجل أن يسود بيني وبين الأنثى، بأشكالها المعقدة وبأسمائها المختلفة، نوع من السّلام الداخلي، حتى وإن كان سلاماً بالاسم فقط" [36]

يبدو أن رحلة الشاعر مع الصور والذكريات الكونية في نص "الكثير من الصور" قد وصلت إلى محطتها الأخيرة لذا تراه يختمها بهذا المقطع الموجز في الدقة ويقول:

"أما أنا فسأموتُ دون أنْ أكتب

قصيدتي التي أقولُ فيها الحقيقةَ عاريةً

دون صور،

دون صورٍ من أيِّ نوعٍ كان!"

إنّ ما قاله الشاعر هنا هو عين الصدق، فهو لم يكتب أي نصّ يقول فيه الحقيقة عارية من الصور أو الألوان، ولربّما لن يفعل ذلك أبداً، ولو فعل فإن كلامه لن يكون لا فنّاً ولا أدباً. وهذا أمر قد انتبه إليه منذ أوّل ديوان له، فهو أكثر العارفين بما تتوق إليه النفس الإنسانية بشكل عام ونفس المتلقّي بشكل خاص، باعتبارها تنفُر بطبيعتها من الصّور التقريرية الفجّة والقاسية، وتميلُ إلى الصّور المجازية المزخرفة بشتى ألوان الإبداع. ولربّما هذا ما يجعلها لا تنتظر من شاعرها سوى أن يُعيد لها بقصائده ونصوصه خلق الواقع من جديد وبصور جديدة تفوق الواقع نفسه جمالاً وتأثيراً. لذا تجدُ أديب كمال الدّين قد بلغ في التعبير عن جمالية محبّته للمتلقّي مبلغاً عظيماً لدرجة أنه صاغ له، إضافة إلى تجربته الفذة في التقاط الصور، طريقةً جديدةً في عرض نوع خاص من صور أخرى اعتمد فيه أسلوبَ التعري من كلّ أثر صوري أو لوني: ويقصدُ بهذا النوع من الصور، صورة حرف خاصّ وشريف، سيتم التعرف عليه في الآتي من الأسطر.

 

          1.3   صورة الألف

 

ظلّ الاهتمام الصوفي منصبّاً وبشكل خاصّ على حرف الألف لأنه يمثل بلا منازع الحرفَ الإلهي، ومعرفته تعني معرفة الله وأحديته، وهناك من الصوفيين من يقول بأن الله تعالى حينما خلق اللوح والقلم قال له اكتب قال وما أكتب فنظر إليه بعين الهيبة فقطرت من رأسه قطرة فنظر إليها بعين الكبرياء فصارت همزة ثم نظر إليها بعين العظمة فامتدّت وطالت وصارت ألفاً فقال الله عز وجل لأجعلنّ هذا الحرف أوّل الحروف ومبدأ الاسم الأعظم. أما النفّري فكان يرى بأن الحروف دون الألف مريضة، وفريد الدّين العطار يقول في (أشترنامة) بالصفحة الخامسة والتسعين بأن الأعداد المختلفة نشأت من حرف الألف بقيمته العددية المتمثلة في رقم واحد وعندما انحنى الألف نشأت الدّال وبانحناءة أخرى نشأت الرّاء وعندما انثنى طرفاه نشأت البَاء وعندما أخذ طرفاه شكلا سنبكيا نشأت النون، وهكذا دواليك بالنسبة لكلّ الأشكال المخلوقة على اختلافها من الوحْدة الإلهية. هذا بشكل مُوجز جدّاً ما قاله بعض كبار متصوفة الإسلام عن الألف وكيف وصفوه، فماذا عن أديب كمال الدّين الحروفي المعاصر محطّ بحث ودراسة هذا الكتاب؟ كيف ينظُر إلى الألف وكيف يراه وماذا قال عنه؟ وما علاقة هذا الحرف الشريف بطريق الجمَال والعشق الذي سلكه الشاعر عبر معارج الكلمة والشعر؟

ما من أحد وما من مادة يمكنها أن تزود القارئ والدارس معا بالجواب الشافي سوى ديوان الشاعر الأخير (مواقف الألف).

 

          ـ مواقف الألف

 

لماذا الألف ولماذا المواقف؟ أديب كمال الدّين يجيب القارئ بسرعة الوَمْضة عن هذا السّؤال ويقول منذ مفتتح الديوان ما يلي:

"اقتَبسَتُ مِن النفّري جُملةَ البَدء

ومِن دمي جُملةَ المُنتهى.

وما بين الجُملتين

بعينين دامعتين

وقلبٍ يشبهُ شجرةَ الأمل

كتبتُ كتاباً في مدحِ ملكِ الملوك،

ذاك الذي يقولُ للشيء كُنْ فيكون،

سَمّيتُه: لوعة عابرِ سبيل.

ثمَّ عُدتُ فَسمّيتُه:

نقطة شوقٍ وحرف أنين.

ثمَّ تأمّلتُ سبعين مَرّة

في سنّارةِ السنين،

تأمّلتُ مثل صيّاد

اصطادَ سمكةً في بطنِها ليرة ذهب،

لأُسمّيه: مواقف الألف

في اقتفاءِ أثرِ التائبين والتائهين والعاشقين.[37]"

هذا المفتتح كما وصفَهُ صاحبُه هو حقّاً بابٌ ومفتاح في الوقت ذاته لكلّ مسار تجربة أديب كمال الدّين وهو مفتتح يتكون من عناصر غنيّة يمكن تجسيدُها عبر المخطوط الآتي:

الصورة رقم 2

 

من هذا الرسم التخطيطي المبسط يظهر جليّاً المِعْراج الحروفيّ الذي مرّ به الشاعر، فهو خرج من الباب عابرَ سبيل ووصل إليه تائباً عاشقاً، أو بتعبير آخر خرج منه أديبياً حروفياً، وصار فيه صياداً فخبر البحرَ والسنارة والسّمكة والليرة، وحينمَا وصل إلى شاطئ المنتهى أصبح مواقفياً نفّرياً بعد أن مرّ بحجاب نقطة الشوق وحرف الأنين. ما معنى كلّ هذا؟ ما معنى أن يصير الحروفي نفّرياً وأيهما أسبق، أن يكون العارفُ حروفياً أولاً ثم يصير نفرياً مواقفياً أم أنّه عليه أن يكونهمَا معا منذ البداية وحتى النهاية؟

عنوان الديوان أي (مواقف الألف) يجيبُ عن هذا السّؤال جامعاً بين الموقف والحرف وبين النفّري والألف، وهذا يعني أن أديب كمال الدّين هو موقفي ألِفي ونفّري حروفي في الوقت ذاته وليس ثمة برزخ يفصلُ بين الصّفتين أو الطريقين. لكنْ ما معنى هذا؟ وما المَقصود من هذا الدّيوان الإشكالية؟

 

ـ محمد بن عبد الجبار النفّري وأديب كمال الدّين

 

من هاجس السّؤال إلى هاجس المعنى وبينهما نار حارقة لا برد فيها ولا سلام؛ من لقاء مع أبي حيّان التوحيدي أسفر عن ديوان أسماه أديب كمال الدّين (جيم) وأشعل فيه فتيل اللماذا، إلى لقاء مع عبد الجبّار النفّري كانت ثمرته (مواقف الألف) وجواب عن ماهية المعنى وسريالية الللامعنى. إنه معراج ثقافيّ كبير دام أكثرَ من ثلاثٍ وعشرين سنة قضاها الشاعر أديب كمال الدّين موزعاً بين الشرق والغرب، بين الأسطورة والواقع واللاواقع، وبين عدميةِ وعبثيةِ الحرب واللاحرب حيث ما من سلم ولا سلام وحيث ما من نهار ولا ليل. إنه المعْراج الثقافي الذي أنتج لنا هاجساً آخر لا يقلّ أهميّة عن هاجس السّؤال والمعنى، هو هاجس اللغة والبديلُ الخطابي سيما وأن المثقفَ العربي وصل إلى واقع من التشظي انفصلتْ فيه علاقتُه بالواقع فكانَ لابدّ من صحوة تزحزح الذات المريضة والمسكونة بالفواجع والآلام، وتزلزلُ لغتها النخرة الغارقة في صدأها وقيحها وتصلُ بها إلى مرحلة التأسيس لخطابٍ جديدٍ وعلاقة أجدّ بالعالم انطلاقاً من لغة تسمو بالإنسان وتنقذه من براثن الضياع والعدمِ السعيد ببؤسه وخوائه العظيم.

لا أحد يعرفُ متى وُلد محمد بن عبد الجبّار لكن معظم الدّارسين اتفقوا على أن مسقط رأسه كان بنفرّ البلد المحاذي لبابل أو المدينة التي وُلد بها الشاعر أديب كمال الدّين. طبعاً لا يقصد من هذه الإشارة القول فقط بتأثير مسقط الرأس على المسيرة الأدبية والعرفانية لكلّ من الشاعرين ولكن لفت الانتباه إلى فارق اللحظة التاريخية بينهُما والتساؤل عن كيفَ يُمكنُ لأرضٍ أن تحبل وتلد عبر حقبتين تاريخيتين مختلفتين، رمزين كان همّ الأولُ منهما زلزلة اللغة وهو وسط عين الغيبة ، وهمّ الثاني إكمال ما بدأه النفّري من حفر ثقافي خطير دفع بصاحبه إلى الاختفاء عن العيون، خاصة وأن محنة الحلاج آنذاك كانت بالنسبة للعديد من الصوفيين بمن فيهم النفّري درساً قاسياً دامت آثاره لقرون عدة، بل مازالت إلى يومنا هذا، إذ لا عجب في تشابه الأسباب وتجددها، فالجمجمة التي تحوي الفكر الفاسد تبدو وكأنها مفْرَخة تُجدد باستمرار بيضها الفاسد وعلى مرّ العصور، بيض لا يتوانى عن تفقيس فراخ الجهل الذي يترصد لكل فعل تجديدي يحاول زحزحة أخطبوط التكلس الذي يجثم بممصّاته القوية على زجاجة روح الإنسانية. فمنذ قرون مضت كان قد ظهر النفّري بالعراق وطرح سؤال المعنى كفعل عميق يرمي إلى الكشف عن مختلف الأشكال المعرفية للإنسان منطلقاً في هذا الطّرح الجديد القديم من منهاج يعتمد على طريق الوصول إلى الله عبر الوقفة والمخاطبة وعبرالولاية والرؤية كي يتمّ للإنسان المُسلم أو المُؤمن بشكل عام استجلاء شكل خطابي جديد يُحقق له الانسجام الفعلي مع ذاته والتواصُل الفعّال مع جوهره، فيتجسّد بذلك إحياء ما يسمّى بالنّص الشعري الفكري المبني على الفعلِ والمفاعلةِ بين مُتكلّمٍ ومُخاطبٍ يتبادلان الموقعَ من أجل بناء معنى جديد على ومن أنقاض معنى قديمٍ سبق هدمُه. فهل هذا ما حققه الشاعر أديب كمال الدّين في نصوصه ومواقفه الألِفية؟

قد يتوهّمُ الدارس ويتخيل أن الجواب سيكون متحيزا للفكرة القائلة بتشابه مساري الشاعرين وأسلوبيهما في طرح سؤال المعنى، لكن الاطّلاع على تجربة أديب كمال الدّين يُوصل إلى نتيجة مخالفة تفنّد تماماً ما يكونُ قد توقعهُ القارئُ عبر إيحاءات العنوان الذي اختاره أديب كمال الدّين لديوان (مواقف الألف) إذ أنّ وقفة هذا الأخير هي مُخالفة تماماً لوقفة النفّري وسؤالُ أديب عن المعنى هو كذلك مخالفٌ لسؤال النفّري، فإذا كان سؤال النفّري مبني على القطيعة مع ماضي بعض متصوفة الإسلام الذين كان هدفهم الأساسي هو تحديد معاني خاصة بأدبيات وسلوكيات العارف بما في ذلك أساليب المجاهدة وتربية النفس، فإن سؤال أديب كمال الدّين مبني على وَصل خطاب زمنه وحاضره بالخطاب الذي بقي معلّقاً حتى زمن النفّري ونسيه أو تناساه الجميع بدعوى تحديث وحداثة الشعر العربي، ولكن مع إضافة جديدة؛ إذا كانت مواقف النفّري قد تغاضت عن أسلوب المخاطبات والحواريات القرآنية فإنّ أديب كمال الدّين لا يتحرّك في ديوان (مواقف الألف) إلا داخل ووسط مخاطبات وأسلوب القرآن الكريم:

"نعم، فمن القرآن الكريم نهلتُ معارفي في مختلف الأصعدة. فالقرآن الكريم بحر عظيم وفيه علم ما كان وسيكون، أي علم الأسئلة الكبرى التي واجهت البشرية منذ خلق آدم إلى يومنا هذا عبر أخبار الأنبياء والمرسلين، وتفاصيل عذاباتهم ومعاناتهم وصبرهم وغربتهم وأحزانهم وهم يبلّغون في مختلف الأزمنة والأمكنة رسالةَ التوحيد والمحبة والسلام واحترام الآخر وعدم تحقيره أو الاعتداء عليه بأيّ شكل كان وبأيّة صورة كانت. وهو لكلّ كاتب وشاعر وأديب كنز لا يفنى من المعارف اللغوية والروحية والفكرية، والأسرار الإلهية، والقصص المعتبرة، والمواقف الأخلاقية ذات المضامين العميقة، والحوارات الفلسفية واليومية ما بين الخالق ورسله وما بين رسله وأناسهم.[38]"

عند النفّري تبدأ القطيعة مع الذات ببلوغ درجة الولاية والتي من خلالها يبدأ التواصل الحقيقي مع الله، وتبدو الحقيقة كفعل غير مواكب لعملية النزوع ولكنّها تتحقق بحصُول الأثر حين يُرفع الحِجاب ويؤذن للعارف بالولاية التي هي ليست خاطراً أو صورةً يتمثل فيها الصّوفي قربه من الله ولكنها موقف نهائي نتيجة بلوغ العارف نهاية الطريق. والنفّري يُعبّر عن هذا الوصول بشكل في غاية الخطورة والإرباك، وهذه لمعة تلوح الآن، فهو بقدر عُمق وقوّة خطابه وفعله الثقافي يبدو ساخراً من المتلقّي، وكأنه يقول له وهو واقف أمام حجاب اخضرار العين والعمامة، واخضرار الجبة وابتسامة الفيه بمكر عجيب: "لن أعْطيك الأمان، ولن أناولك الكُوز، ولن تشرب من بحر عرفاني إلا لتزداد عطشاً، وحتى وإن بدوتُ لك قد أوصلتك إلى فعل وخطاب جديد فإنني مازلتُ هنا وكلّ ما قلته فهو غيرُ قارّ وقابل للنسف والهدم على الدوام."

أما عند أديب كمال الدّين ففعله الثقافي قارّ ولغتُه وخطابُه الجديد ثابت ولا شيء يُزحزحه ويهدُمه لأنّه إعادةُ صياغة جديدة لأسلوب الوَحي بشكلٍ سلس يكون في متناول جميع الناس بمختلف أعمارهم ومستوياتهم الفكرية والثقافية، وثباتُ أسلوبه وفعله الجديد هذا نابعٌ من تباث الأرض التي ينطلقُ منها، أي كلمة القرآن الكريم لذا تجده يقول في موقف الكتابة:

"أوقَفَني في موقفِ الكتابة

وقال: يا عبدي

كلُّ كتابةٍ لا تَتَبسملُ باسمي،

ولا تُشيرُ إلى جَنّتي وجَهنّمي،

ولا تَحضُّ على مَحبّتي،

وعلى شُرْبِ كأسِ مَحبّتي،

إنّما هي كتابة العابثين.[39]"

ما معنى إذن أن يكون فعل الكتابة الذي يتمُّ خارج إطار اسم الله، كتابة عابثة أو فعلاً ثقافياً عابثاً؟

يقولُ النفّري في موقف المراتب: " وقال لي منْ عرفني فلا عيشَ له إلا في معْرفتي ومن رآني فلا قوّة له إلا في رؤيتِي. وقال إذا جاءَكَ التأويلُ فقد جاءكَ حجابي الذي لا أنظرُ إليه ومقتي الذي لا أعطفُ عليه. وقال لي من فارقه العلمُ لزمه الجهلُ وقاده إلى المهالكِ ومن لزمه العلمُ فتح له أبوابَ المزيد منه"[40] . ويقول أديب كمال الدّين في موقف الحاجب ما يلي:

"أوقَفَني في موقفِ الحاجب

وقال: ما أسعدكَ اليومَ يا عبدي،

لا حاجب اليومَ لك

عن نوري وظلِّي.

دمعتُكَ ستقودكَ إليّ

وهي تغسلُ غربتَكَ وَيُتمَك

وتطلقُ طيورَ سعْدِك.

دمعتُكَ ستكشفُ لكَ عن لوعتِك

وتطهّرُكَ من عنكبوتِ ذنبِك

وأبابيل خوفِكَ وطلاسم دهرك.

دمعتُكَ ستكتبُ لك

شِعْراً بابه لي،

وممرّه لي،

وعنوانه لي،

ومدائنه لي،

ومواقفه لي،

وخلاصته: أنّكَ قد عَرفت،

ولم تعدْ جاهلاً أو ضائعاً

حتّى صارَ اسمُكَ العارف بي:

أنا عنوان سرّك.[41]"

كلا الشاعرين وإن بأسلوبٍ مختلفٍ يُشير إلى موقفٍ في غاية الحساسيّة، وهُوَ موقفُ الوصول إلى درجة العرفان والحصول على صفة العارف، ويبدو أديب كمال الدّين في قصيدته وكأنّه يشرحُ ما ورد في نص النفّري، ويؤكّدُ على مفهومٍ مُهمّ مفادُه أنّ الإنسان إذا وصلَ إلى مقامِ المَعرفة فإنّ ذلك يقتضِي التحكمّ في جميع القوى إذ لا يُمكنُه بعدَ هذا المقام أن يعيش بعيداً عن المعْرفة أو يؤسّس لفعلٍ كتابي خارج عنها أو بعيدٍ عن اسم الله أو عن ذات الله وصفاتِه. وقوّة المعْرفة تنبعُ من قوة الرّؤية باعتبار الأولى جزء من كُلّ الثانية ولا مفرّ فيها من المكر الإلهي سواء ذاك الذي يهمّ المكر الذي يحرم فيها العبد من عطايا الله وهذا غير وارد أبداً بالنسبة لمن تحققت له درجة العرفانية، أو المكْر الذي من خلاله يتعرف الحقّ إلى عبده من وراء حجاب وهو النوع الذي أشار إليه أديب كمال الدّين في قصيدته (موقف الحجاب):

"أوقَفَني في موقفِ الحجاب

وقال: يا عبدي

أعملتَ لتنالَ مطرَ رحمتي حجاباً

وأنتَ الذي تمزجُ شمسَ الغروب

بشمسِ الفجرِ في كهيعص نوري

وحم كتابي

وطسم عرشي وجلالتي وحضوري؟

كيف يحدثُ هذا؟

ألا يكفيكَ أن يكونَ قلبك

هو قلب السؤال:

بابه الحمد،

وعلامته أن لا شريك لي،

ونبضته دعاء وجواب؟" [42]

وهو نوع من التعرّف الإلهي لا يعرفه إلا من تمّ اصطفاؤه. لذا فإن السّالك في طريق الجمال نحو ربّ البهاء إذا كانت خطاه قائمة على أصل ثابت وسلّم نفسَه إلى ربّه تعالى فإنه لا يجوزُ له بعد ذلك أن يتأوّل فيما نفع، لأن الله هو الذي يصبح مخلّصه من كل شيء لا التأويل، ويصبُح الله هو عقله وعلمه وقلبُه.

وموقف الحجاب عند أديب كمال الدّين، لا يعني أبداً أنه محجوب أثناء الوقوف في الحجاب بل على العكس من ذلك، فهو في هذه الحالة مشاهد لحقيقةِ الحجاب وإن كانَ يبدو في الأسطُر الأخيرة من نصه طامعاً في المزيد، وكأنّه يرغبُ في تجاوز حقيقة الحجاب وحقيقة السؤال لولا عتاب الله له: "ألا يكفيكَ أن يكونَ قلبك / هو قلب السؤال:/ بابه الحمد،/ وعلامته أن لا شريك لي،/ ونبضته دعاء وجواب؟" وهو عتاب في باطنه إرشاد من خلاله يراد للشاعر أن يهتدي لدرجة الحجاب الذي هو واقف فيه، أحجاب بالخلق أم حجاب بالخالق؟ وقد سبق للنفّري أن أجاب عن هذا السّؤال حينما قال: "من حجبته بخلقي برزت له، ومن حجبته بنفسي لم أبرز له ولم يرني" ولعلّ أديب كمال الدّين من الطائفة الثانية، أي ممن احتجب الخالق عنهم بنفسه لأن الحجاب الحق هو حجاب من حُجب بالخلق، لأن ذلك يعني أنه حينما ترد على هذا المحجوب الأنوار فإنها لن تمحو سوى حجب الخلق باعتبارها ظلم تتجلّى بالنور أما الحَجب بالخالق فهو ليس بحجْب حقيقي لأن النور لا يمحي النور أبداً.

والعودة إلى الصيغة التي جاء بها العتاب الإلهي في نص أديب كمال الدّين، تمكّن الدارس من استجلاء ما يلي من الإشارات: الله هو السائل وليس العارف وهو أمر أرادته اليد الكاتبة للنّص والفكر الملقي بالحرف المكتوب، وذلك انطلاقاً من المبدأ القائل بأن للعارف أن يسأل الله كل شيء إلا شيئاً واحداً: السؤال عن الله ذاته. أي على العارف أن يعتبر كل شيء يجده علامة دالة على الله وإذا تحققت الرؤية فهذا يضمن بقاء الرائي.

والرؤية هي غاية الروح بالنسبة للشاعرين معاً، النفّري وأديب كمال الدّين، وهي تعني خروج الإنسان من عذابه وشقائه وحيرته وإن كان يبدو في نصوص النفّري بعض ما يقلق من القيد الناتج عن صراع الأضداد والمتنافيات التي تضجّ بها صفحات مواقفه ومخاطباته، ولربما هذا مقصود، وكأن النفّري يريد للمتلقّي أن يستشف عالم ماورائيات هذه الأضداد والمتنافيات بهدف الوصول إلى فضاء لا قيد فيه ولا حد. إنها الحرية التي يسعى إليها أيضاً أديب كمال الدّين باعتبار هذه الأخيرة هي ماهية الرؤية فلا شيء يوجد في كتاباته سوى الحضرة المطلقة التي لا تبدأ ولا تنتهي، إذ هو تجاوز كل مظهر من مظاهر الواقع وارتفع إلى البارئ ناشدا السمو الذي هو منظر الأولياء ومسكن وبلسم روحهم.

 

ـ الموقف والواقف

 

يقول أديب كمال الدّين في ديوانه (أقول الحرف وأعني أصابعي):

"أحببتُكَ وأنا داخل النّص

وأحببتُكَ وأنا خارج النّص

وأحببتُكَ وأنا أكتبُ في نقطةِ النّص،

فكنْ بي رحيماً

- أنتَ الذي اسمكَ الرحمة-

فالنّص لا يعرفُ مَن يتنفسه

في كلّ لحظة

ويتألقُ به وسط الظلام

في كلّ لحظة

وينبضُ به في كلّ لحظة.

أنتَ،

وأنتَ فقط،

يعرفُ مَن يقرأ النّص

دون أن يسبر غوره

ويعرفُ، كذلك، مَن يتنفسه

حتّى يكاد ينبضهُ نبضةً نبضة

داخل القلب.

فكنْ بي رحيماً

وأنا داخل النّص

وأنا خارج النّص

فالظلامُ الذي يشتدُّ حولي

ليس كأيّ ظلام

والعطشُ الذي شققَ لساني

جعل كلماتي جريحة

مثل غزال أكل قلبه النمر.[43]"

يشيرُ أديب كمال الدّين هنا إلى إشكالية محنة النّص، وهي ذاتها التي قادته إلى ختم كلّ ماكتبه بالوقفة وبطلب النجاة في محراب الألف.

أن يوجد النّص، فهذا لا يعني شيئاً، لكن أن تكون له مقومات الوجود والحياة فهذا هو لبّ القضية. فالنّص عليه أن يكافح ويصارع كي يكون ويصل للمتلقّي. أما في حالة عجز القارئ عن قطف ثمار النّص، فهذا يعني أن النّص أصبح في محنة وقد تتحوّل المحنة إلى كارثة، إذا ما تجاوزت المحنة شكل النّص وضربت عمق بنية خطابه، عندئذ ينقصم ظهره و تنطمس ملامحه وتصبح نقاطه وأحرفه مجرد قلق وانفعال واضطراب. فهل هذا ما يتحدث عنه أديب كمال الدّين في قصيدته؟ الجواب يوجد في عبارة:"غزال أكل قلبه النمر". إنّ النّص الذي يقصده أديب كمال الدّين، هو النّص الذي لا يكْتبُ إلا عن الله وبالله ولله. فالشاعر هنا مرشد للمتلقّي، وكأنه يريد أن يقول له: إياك وأن ترتكب خطأ الدّخول القاطع أوالخروج القاطع من النّص، فإن أنت دخلته فلا تقم فيه أبد الدّهر وإن خرجت منه فلا تخرج منه إلى الأبد، وكن فيه وبه مجرّد عابر أو زائر خفيف الظل والحضور، ولا يضيرك أن يأكل قلبك النمر، فهذا هو ثمن صدق الكلمة التي تكتبها، إذ كلما كنت صادقاً، كلما كانت كلماتك بلون الدم، والدم لون الجرح والجرح حياة ينبض قلبها بالألم والفرح، ولا تطمع أبداً في أكثر من هذا، إذ الطمع في المزيد، طمع في الخروج من الجهل والخروج من الجهل علْم يغطيه حجاب، والعلم المحجوب نص محجوب أو حرف محجوب لا يلج الحضرة.

كل هذا يعني أن كل عارف هو "نص" يحتاج في قراءته إلى مايحتاجه أي نص آخر، وكل شاعر هو "نص" يختلف في مضمونه عن أي شاعر آخر، لكن حينما يكون الشاعر عارفاً أو العارف شاعراً، فإنّ نصه يصبح أكثر تعرياً وتحدياً لأنه لا يحتاج فقط لمجرد قراءة أو تحليل ولكنه يحتاج إلى تشخيص ربما يقود إلى تشخيص لاوعي شعب بكامله أو أمة برُمّتها، مادام نصه يرقى إلى العمق والديمومة لفترات أطول من الزمن وهذا نابع من قدرة هذا النوع من النّصوص على تجديد نفسها باستمرار ومخاطبة أكثر من مستوى من وعي المتلقّي.

ووقفة أديب كمال الدّين ختامية حرقت كل ماسبقها من كلام في حضرة النقطة أو في حضرة الحروف باستثناء حرف الألف، الذي لبسه الشاعر جوشناً، فصار منه وفيه بل صار هو نفسه الألف الشريف، قيوم الحروف كلها، فوقف وفوض أمره لله عاثرا فيه على ذاته مستندا عليها ومعتمدا على عصاها غير طالب أي شيء من الحق، إذ لا دعاء في الوقفة لأنه ليس فيها غير الله، والدعاء كما هو معروف يكون من العبد إلى خالقه، لذا فلا يعقل أن يكون داخل الوقفة العبد وربه ولكن الله وحده ولا أحد سواه. لذا يُقال إنّ الواقف لا يحدّه بيت ولا مقام، لأن البيوت والمقامات هي حضرات الأسماء والوقفة هي خاصة بالحق عز وعلا، ومن هنا تصدير أديب كمال الدّين لمجموعته بالآية الخامسة والثلاثين من سورة النّور، وذكره في المفتتح للعبارة التالية:"كتبتُ كتاباً في مدحِ ملكِ الملوك". ومن هذا المنطلق سوف لن يشار إلى الشاعر فيما سيأتي من التحليل والكتابة إلا باسمه أو بالواقف وسيلغى من معجم القادم من الأسطر مصطلح "العارف"، إذ لا يجوز للواقف أن يسمى عارفا، لأن هذا الأخير فيه بقية من أثر يقتضي التثنية أو الازدواج أما الواقف فهو واحد تقوم به الحقيقة المطلقة وهو يحيط بكل المقامات ويعرف الأشياء وهو في نفسه لا يعرف، ذلك لأن كل معرفة تحترق في الوقفة والعارف يخبر عن المعرفة أما الواقف فيخبر عن الله.

ومواقف أديب كمال الدّين لا يطيقها إلا المؤمنون وهي منهاج يرقى بالروح إلى عرش ملك الملوك حيث لا انشطار ولا انقسام، وهي أيضاً تدشين لمشروع حرية الذات البشرية عبر تذكير القارئ بسلسلة من المواقف التي يتحدث فيها عن قصص العديد من الأنبياء ومحنهم المختلفة بغرض التخلص من ثقل المادة وحفظ شفافية الروح حتى تصبح مرآة صقيلة صالحة لاستقبال الأنوار العلوية، لذا فديوان (مواقف الألف) رؤية لا تناقض فيها ولا تضاد ولا غموض قد يثبطّ عزيمة القارئ فتدفعه إلى الانصراف عنه، وهو أي الديوان، بكل نصوصه الخمسة والخمسين، سعادة وفرح بل جمال مطلق يكرم بها الشّاعر الواقف قارءه عبر مشروع يهدف من ورائه إلى تخليص اللغة من قيودها والاتجاه بها نحو البساطة والاختزال والدّقة.

وأديب كمال الدّين في نصوصه الواقفة يخرق إحدى أهم قواعد الخطاب والمخاطبة، أي المشاركة وذلك من خلال تبرّئه من خطابه باستعماله لعبارتي "أوقفني...وقال" ثم "يا عبدي" وهذا لثقته بالمتلقّي وبقدرته على تأويل يبرر له هذا الخرق الحاصل، باعتبار أن هذه النّصوص لها من الحمولة الإخبارية ما لا يُستطاع معها نفي حقيقتها ومعانيها لأنها مستنبطة من معاني القرآن الكريم. لأجل هذا يمكن القول بأن نصوص الشاعر الواقف قد وفّقت في تقديم الخطاب الشعري كحركة مزدوجة لها ظاهر وباطن، باطن لا يلغي أبداً ظاهره بل يدعّمه ويكشف فيه عن عمق التجلّيات الإلهية بشكل يهدف إلى تجاوز الموجودات نحو علاقة فنية تهدف إلى تذوّق الجمال المطلق للخالق والخلق. فظاهر النّص إذن ثابت وباطنه متحرك باعتباره يشير إلى الحقيقة التي لا تُدرك إلا بالبصيرة والتي تقتضي حركة اختراق من أجل استبطان البنية الرمزية للعالم حتى يتمكن المتلقّي من اختصار المسافة بين البارئ والمخلوق، والخروج من التجزؤ إلى الوحدة والانسجام الموصل إلى السعادة.

 

 

الفصْلُ الثاني

 

بنية الصّورالوصفيّة وظاهرة التّواصل الحسّي

 

1.1         صورة المرأة

 

صورة المرأة داخل نصوص أديب كمال الدّين هي نوع من أنواع العودة إلى الجوهر الأنثوي للكون، فهي ليست مُشتهاة بالمعنى الحسّي للكلمة ولكنّها بالدّرجة الأولى الصّورة المُثلى التي يُحَبّ فيها الله ويُدرَكُ بها وعبرها جماله بشكل يجعل من القارئ يعيش مع الشاعر تجربة النشوة والانخطاف، نشوة تصبح فيها المرأة رمز معرفة لا رمز هوية ووجود، إذ بالصورة يتصوّر الإنسان المعرفي نفسه متجسّداً، وهذا التجسّد يسهّل عليه التعبير عن المعنى لقوة حصوله في الخيال. الشيء الذي يؤدي إلى حدوث امتزاج أو انصهار هذا الأخير وسط الصورة كي يتحقق الستر والإخفاء للطافة المعنى ذاته، لأن الستر الذي يقابله الرمز والإشارة هو النقطة التي يلتقي فيها الشكل والمضمون. لذا فإن التعرّف إلى الجمال الإلهي عبر العنصر الأنثوي، فيه اكتشاف لأرقى درجات التكوين والخلق، مما يجعل من المرأة عند البعض ثمرة معرفة وعند البعض الآخر سبيلاً إليها، سبيلاً غالبا ما تكون مغرقة في السواد والتيه والبحث عبر الألم والبكاء والاحتراق عن الوجه المشرق للحقيقة الأنثوية والحقيقة المعرفية، ولعلّ هذا ما يفسّر كون المرأة عند أديب كمال الدّين تظهر لنا بوجهين، واحد مغرق في الشهوانية وآخر عائم في بحار الأنوار والجذب الإلهي اللطيف، كيف لا والأنثى في داخلها كوامن لا يعرفها إلا خالقها: تجدها ناعمة تارة وشرسة تارات، شهوانية مثيرة حيناً وباردة كالموت أحياناً، فلا الأساطير أنصفتها ولا الأديان حوت عظمتها وأسرارها. فهي الكاملة وهي الناقصة وهي المُدمرة وهي البانية. إنها ببساطة شديدة نقطة حمأ الكون وسرّ الله الأبدي.

 

ـ المرأة الريح عند أديب كمال الدّين

 

يقول أديب كمال الدّين في نصه "امرأة بشعر أخضر":

"(1)

لخمسين عاماً

كان يرسمُ اللوحةَ ذاتها: لوحة الموت:

امرأة دون عمر محدد

تسوق سيّارة سوداء،

سيّارة مسرعة

تسوقها امرأة عارية.

عبر نافذة السيّارة

ترى ثديي المرأةِ عاريين

وترى شعرها أخضرَ منثوراً

وترى ملامحها الساذجة.

خلفها توابيت

توابيت من؟

السيّارة مسرعة

والرسّامُ مرتبك

لأنّ المرأة ذات الشعرالأخضر

بثدييها العاريين

بعينيها الكبيرتين

بملامحها الساذجة

تحدّق فيه طوال الوقت.

هل كانتْ تدعوه؟

لأيّ شيء؟

 (2)

مرّ خمسون عاماً

ولم يكمل اللوحةَ بعد.

لكنّه في صباحٍ عجيب

رأى عبر شبّاكه ما رأى:

آه، إنها شجرة الليمون مثمرة، يا إلهي!

بسكينٍ حادة

قطع ليمونتين من الشجرة

وبسرعة

قطعهما إلى أربع شرائح

وبسرعة

أخذ أنبوبةَ الصمغ

ليضع الصمغ

على الجانبِ الرطبِ من الليمونتين

ثم لصقهما كعجلاتٍ لسيّارة الموت.

الآن اكتملتْ لوحته

لم يعد ينقص سيّارة الموتِ أيّ شيء!

(3)

كان فرحاً كطفل

كطفلٍ حقيقي

لكنّ وجهه يشحبُ بسرعة

ليصبح بلونِ الليمون.

فيما كانت المرأة

بشعرها الأخضر المتطاير

بثدييها العاريين

بعينيها الكبيرتين

بملامحها الساذجة

تسوق السيّارة بسرعة

لتطلق قهقهاتها الفارغة من أيّ شيء!"[44]

 

 

 

 

 

 

 

 

ـ الشفرة الزمنية للنّص

 

تقوم هذه الشفرة على دلالات مصطلحية تتوزع بين زمن قارّ ثابت وآخر سريع برقي وثالث لانهائي:

ـ الزمن القار: (خمسون عاما /// ذكِر هذا التعبير لمرّتين على طول أجزاء النّص الثلاثة)

هذا بالنسبة للتعبير الدال على هذا الزمن، لكن هناك أفعال وظروف زمانية لها نفس وظيفة الإيضاح الدّلالي يمكن جردها كما يلي:

(كان (2)[45] + مرّ+ رأى (2) +قطع+ قطعهما+ أخذ+ لصقهما+ كانت /+ بعدُ+ الآن)

ـ الزمن السريع: (سيّارة مسرعة // ذكرت هذه العبارة ثلاث مرات على طول النّص + قطع ليمونتين من الشجرة وبسرعة + وبسرعة أخذ أنبوبة الصمغ + لكنّ وجهه يشحب بسرعة)

أما عن الأفعال الدالة على سرعة الحركة داخل هذا الجزء فإنها كالآتي: (تسوق(3) + ترى (3) + تحدّق + يكمل + يصبح + تطلق)

ـ الزمن اللانهائي: (امرأة دون عمر محدد + طوال الوقت + الموت)

من هذا التبسيط للصفة الزمانية داخل النّص، يمكن الوصول إلى طبيعة الحركة بداخل المعنى وإلى ما يكون قد نتج عنها من تطوّرات أو تمفصلات، وهذا لن يتمّ إلا عبر استدعاء شخصيات النّص واستنطاق أفعالهم داخله وخارجه.

في النّص توجد أربع شخصيات وسيتمّ الغوص في دواخلها عبر التفكيك التالي:

          الشخصيات                                   حركتها وأفعالها داخل النّص

الرسام                               يرسم لوحة الموت

                                                مرتبك 

                                                مازال لم يكمل اللوحة

                                                في صباح عجيب رأى

                                                قطع بسكين حادّة ليمونتين إلى أربعة شرائح

                                                أخذ أنبوبة الصمغ

                                                ألصق بها الليمونتين كعجلات للسيّارة

                                                يشحب وجهه بسرعة   

 

المرأة ذات الشعر الأخضر                           تسوق سيّارة سوداء

                                                          عارية

                                                          تحدّق في الرسام طيلة الوقت    

                                                          تطلق قهقهاتها الفارغة من أيّ شيء               

 

ـ الشاهد المستتر                                               يرى ثديي المرأة عاريين

    (ربما يكون القارئ)                                     يرى شعرها الأخضر المنثور

                                                                 يرى ملامحها الساذجة

 

 

ـ الرائي المتبصّر المحيط بكل شيء                يصف كل شيء

                   (ربما الشاعر)                      يقول : لخمسين عاماً

كان يرسمُ اللوحةَ ذاتها: لوحة الموت

آه، إنها شجرة الليمون مثمرة، يا إلهي!

الآن اكتملتْ لوحته

لم يعد ينقص سيّارة الموتِ أيّ شيء!

 

كل هذا يعني أن هناك تطور وتمفصل داخلي في مسار فكر الرسّام، فهو من الجمود (الماضي) ينتقل إلى الحركة (الحاضر) ومن الحركة ينتقل إلى التحوّل ومن التحوّل ينتقل إلى القرار ومنه إلى تقرير المصير، مصيره ومصير الشاعر والمتلقّي معا (المستقبل). الوحيدة التي حافظت على تباث حالتها هي المرأة ذات الشعر الأخضر، فهي منذ ظهرت في النّص وهي تسوق مسرعة سيارتها السوداء ولا تنتظر أحدا.

ـ الشفرة الطلسمية

لوحة الموت التي يقدمها أديب كمال الدّين للقارئ تبدو سوداء في ظاهرها بل مربكة ومقلقة، وكأنّها كابوس ليلي مخيف، لكن القراءة المتمعّنة لها ولألوانها من خلال ما سبق جرده في الشفرة الخاصة بالزمن الداخلي والخارجي للنّص تفتح نوافذ جديدة يمكن الاطلاع عبرها على ما يخفيه النّص في صحرائه الخاصّة باللاوعي وباللاشعور الإبداعي، وهذا ما يمكن إيجازه وفقاً لما يلي من الإيضاحات:

ـ السيّارة السوداء :

هي في حقيقة الأمر ليست بسيّارة موت وإنما سيّارة حياة. والدليل على ذلك سرعة حركتها ونوافذها المشرعة. وهذه الحركة تعني رغبة في التغيير والتقدم نحو الأمام والتخلص من رتابة الماضي.

ـ المرأة ذات الشعر الأخضر:

هي شجرة الليمون وفي أثدائها أو ثمارها خير كثير وعميم، ولو أنها كانت بدون شعر طويل أو بدون لون أخضر، لكانت في النّص دليل شؤم وفقر ومرض. أما كونها عارية فهذا يعني أنها حبلى بسرّ عظيم يخصّ الرسام فقط أو الشاعر أو متلقّيا من نوع خاص له استعداد لتلقّي مفتاح المعرفة والجمال.

السكّين القاطعة:

هي فحولة وولوج ونكاح وانصهار وامتلاك لحقيقة رمز المرأة الخضراء والسيّارة السوداء، وبالتالي حركة فاصلة بين فترة ما قبل الخمسين سنة التي قضاها الرسام في الارتباك والتذبذب وما بعد هذه الفترة، أي حركة فاصلة بين الماضي والحاضر.

ـ الشفرة الأسطورية

في محاولة لمحاذاة مكنونات الشفرة الأسطورية سيتمّ في البداية التساؤل عن الكينونات التالية:

مّن يكون الرسّام؟ ومن تكون المرأة ذات الشعر الأخضر؟

للجواب عن هذين السؤالين ربما يقتضي الأمر التساؤل عن الكيفية التي صاغ بها أديب كمال الدّين هذه الصور وعن الأسس التي انطلق منها لحظة تنفيذ فعل الكتابة بل عن الميكانيزمات والآليات التي كانت تتحرك داخل ذهن الشاعر نفسه؟

في النّص كلّه ثمّة عنصر واحد يحمل بداخله مفتاح هذا السؤال، ولعلّه يكون عنصر الريح وإن كان غير واضح في أبيات النّص، إلا أنه ثمّة مصطلحات ستسمح له بالانبثاق والتجلّي عبر حركة توليدية تستكنه البنية اللفظية لما يلي من العبارات:

ـ تسوق سيّارة سوداء + سيّارة مسرعة /// لا يمكن للمرء أن يتصور سيّارة مسرعة دون أن يستحضر حركة الريح أو الهواء خارجها وهي الفكرة التي تجد ما يؤكّدها في العبارة التالية:

ـ شعرها أخضر منثورا + بشعرها الأخضر المتطاير /// لا يمكن للشعر أن يتطاير إذا لم تكن هناك ريح. الشيء الذي يعني أن نوافذ السيّارة كانت مفتوحة ومشرعة وهذا دالّ على أن السيّارة ولون شعر سائقتها وعريها، هي سيّارة حياة لا موت، وتقدم لا تقهقر.

لكن مهلا، ما لعملية التفكيك هذه وعنصر الريح؟ هذا سؤال يجد له جوابا في سؤال آخر: من تكون امرأة الريح هذه؟ وهذا سؤال آخر يجد الجواب عنه في الأساطير السومرية التي تغذّى منها لاشعور الشاعر في سنوات الشباب الأولى وربّما الصبا، وخاصة أساطير جلجامش التي لا تخلو مجموعة شعرية من اسمه. لكن ما لجلجامش وامرأة الريح؟

إنها المرأة التي ارتبط اسمها منذ حوالي 3000 سنة قبل الميلاد بالرياح والعواصف فعُرفت ب "ليليتو" في سومر، وب "لي ـ ليتو"عند الأكاديين أو(سيدة الهواء) أو الربّة "نينليل"، ربّة الرياح الجنوبية وزوجة "إنليل". وقديما عثر الأركيولوجيون على اسم "ليليتو" في قرص طيني سومري من مدينة (أور) يعود إلى 2000 سنة قبل الميلاد وفيه يحكى عن إله السماء الذي أمر بإنبات شجرة الصفصاف على ضفاف نهر دجلة في مدينة أورك وبعد أن كبرت الشجرة اتّخذ تنين من جذورها بيتاً له بينما اتخذ طائر مخيف من أغصانها عشاً له، لكن في جذع الشجرة نفسها كانت تعيش المرأة العفريتة "ليليث"، وعندما سمع (جلجامش) عن تلك الشجرة حمل درعه وسيفه وقتل التنين واقتلع الشجرة من جذورها فهربت "ليليث" إلى البرية.

ربّما تكون هذه هي الأسطورة التي استخرج منها الشاعر نسغ نصه لكن ليس ليعبّر عن الجانب المظلم للأنثى أو جانبها الشهواني كما صوّرته الأسطورة نفسها، ولكن ليصوغ للمتلقّي شكلا جديدا من أشكال الخلق والتكوين معتبراً الأنثى فيه عنصر صراع يتحقق من خلاله تنوّع الحياة ونظامها، فالعالم جاء إلى الوجود نتيجة فعل خلق إلهي، أما بنياته وإيقاعاته فهي نتيجة لحوادث جرت ولم تزل تجري في الزمان، لذا تجد الشاعر وظّف صيغة "السيّارة" كتعبير عن معاصرته لرموز الزمن الذي يعيش فيه، أما قيادتها فأعطاها للمرأة لتجسيد قدرتها الفاعلة والفعّالة في النظّام العام للحياة. وهكذا يُصبح جلجامش هو الرسّام أو الإنسان بشكل عام وفأس جلجامش التي قضى بها على القوى الشريرة التي استوطنت شجرة الصفصاف هي السكّين التي قطع بها الرسّام ليمونتين من شجرة الليمون، وهذا كلّه للدلالة على تمجيد العمل الإنساني الذي هو ليس فقط الجوهر الفعلي للإنسان وإنما كذلك سبب وجوده، أي حياته لا موته أو دماره. وليس هذا فحسب، فحركة السكّين داخل النّص أعطت للمعنى نفسه بُعدا شبقياً مرتبطاً بحركة التواصل مع الأنثى، أي حركة عودة الجسد المنفصم إلى وحدته الأصلية البدائية، وهي حركة تعبّر عن اغتراب الجزء أي المرأة ـ عن الكلّ (آدم/الرجل)، وهذا ماعبّر عنه أديب كمال الدّين في النّص بالمرأة ذات الشعر الأخضر التي تحدّق طويلا في الرسّام وتنتظر منه حركة (هل كانتْ تدعوه؟ لأيّ شيء؟)، أي تواصلاً أو نكاحاً كونيا باعتبار الأنثى تطابق الأنوثة السارية في العالم، لذا فإن حركة السكّين داخل الليمونتين أو ثديي المرأة هو اتصال معرفي وليس وجودي ولهذا حدث الانفصال (قطع الليمونتين إلى أربع شرائح) وتقيّدت الرغبة بالموت الذي هو حياة وبالألم واللذة وبكشف وهتك الحُجب.

 

 

 

 

 

 

 

 

1.2         المرأة والحرف

 

          لابدّ لكلّ متتبع لنصوص الشاعر أديب كمال الدّين، أن يعثر فيها وإن يطُل أمد البحث والدرس على ذاك البرزخ العجيب الذي يقف متهادياً بين كل ما هو حرفي ومجازي، برزخ لا يمكن أن يُسمى أو يوسم إلا بـ "الرمز" الذي ينضح دائماً بالحقيقة التي يمثلها، لكن ليس هذا وحده ما قد يكون الاكتشاف الأكبر للمتلقّي بقدر ما يُتوجب الالتفات إلى أمر آخر في غاية الأهمية والدقة، ويقصد به التساؤل عن ماهية السبب الذي يجعل من نصوص الشاعر نصوصاً رمزيّة بامتياز؟ أو ما هي طبيعة هذا الكنز الذي تنطوي عليه رؤية الشاعر للحقيقة بشكل تجعله قادراً على رؤية حياة ما من نوع ما داخل الإنسان وخارجه، ليؤكّد بالتالي للمتلقّي بأن حقيقة ما سواء أكانت مادية أو روحية هي مرتبطة أساساً بكل الحقائق الأخرى، وأن الإنسان يعيش في عالم من الرموز وبالتالي من المعرفة الرمزية؟

الجواب عن هذا التساؤل واحد لا غير: كل السرّ يتجلّى في ما يمكن أن يُسمّى بمبدأ وحدة جوهر الوجود. ولعلّ هذا هو السبب الذي يجعل من أديب كمال الدّين شاعراً يزجّ بنفس كل قارئ ودارس في دائرة العمل والحفر عبر إخضاع معظم قدرات هذه النفس لما يتبقى منها من قدرات أخرى و ذلك بهدف أن يبثّ بداخلها عند نهاية الرحلة طابع الوحدانية الإلهية وروحها بفعل قوة الصورة الرمزية، فتكون النتيجة أن يكشف الرمز عن نفسه بانكشاف الخاص في الفردي والعام في الخصوصي والكوني في العالمي. وهذا المعنى هو ما ستتمّ محاولة مقاربته عبر القصيدة التالية:

          يقول أديب كمال الدّين في نص "غزل حروفي":

"(1)

هذي المرّة

لن تكوني مثل كلّ مرّة

امرأة من لحم ودم.

فلقد تعبتُ من دمكِ العاري وجحودكِ الأسطوري،

من خيانتكِ التي تشبه مشنقةً دون حبل.

وتعبتُ أكثر

من انتقالاتكِ المرّة الحامضة بين البراءة والذنب

ومن أغنيتك: أغنية الكأس والسكّين.

ولذا

هذي المرّة

ستكونين امرأةً من حرف

أخرجكِ متى أشاء

أمام جمع الوحوش

بيضاء من غير سوء

بيضاء لذة للناظرين.

(2)

عسى -

حين تكونين حرفاً -

أن أمسك طير الفرح بقلبي

بعد أربعين قرناً من الطيران الأعمى.

عسى

أن ألتقي نقطتي فألتقط منها

طلسماً للحبّ والطمأنينة

وألتقي هلالي فأراهُ يركض نحو العيد

بدشداشة العيد.

وعسى

أن ألتقي دمي

فلا أجده أسود

ككفّ قُطِعَ منها الابهام.

(3)

هذه آخر محاولات جغرافيتي الممزّقة

وتاريخي الذي يشبه معناي الذي لا معنى له.

هذه آخر محاولات الطفل فيّ

وآخر محاولات الساحر فيّ

والمجنون والشاعر

والوليّ

والزاهد والراكض من بحرٍ لبحر.

هذه آخر محاولات دمي:

أنتِ الآن امرأة من حرف

لا دم عندك ولا لحم

لا مؤامرات، لا مكائد، لا دسائس

لا هرطقات،

لا نزوات

لا ولا.

(4)

أنتِ الآن امرأتي

وشمعة داري!"[46]

 

يمكن تقسيم هذا النّص إلى مرحلتين مهمّتين في حياة الإنسان ككل وليس الشاعر فقط باعتبار هذا الأخير هو صوت يحكي لنا عبر قصائده عن رحلة الإنسان وسفره المضني داخل ظلمة هذا الكون الشاسع المهول: مرحلة ماقبلية وهي التي تبدأ من البيت الأول وحتى البيت الثامن، ومرحلة مابعدية تبدأ من البيت التاسع إلى نهاية النّص. إلا أنّ ما يشدّ الانتباه هو هذه الطريقة الغريبة في التعبير عن مفهوم "المرأة" هنا: ففي المرحلة الأولى نجد الشاعر يطلق عليها كلّ الصفات السلبية فهي:

ـ امرأة من لحم ودم

ـ عارية الدم

ـ جاحدة

ـ خائنة

ـ حامضة ومتقلبة بين البراءة والذنب

ـ ولا تجيد الحديث سوى عن الكأس والسكّين.

أما في المرحلة الثانية فهو يتحدث عنها وكأنها دمية مسلوبة الإرادة وهو الوحيد القائم على أمرها يتصرف فيها وبها كما يشاء ويحلو له:

ـ فهو يضعها في "جيبه" متى يشاء

ـ ويخرجها منه كي يعرضها أمام الغير ويتباهى بها متى يشاء

فهل هكذا يتعامل العارفون مع "المرأة"؟ طبعا لا، خاصة وأنه سبقت الإشارة إلى أن الأنثى بالنسبة للعارف وللواقف هي تجلّ إلهي وأن هناك العديد من المتصوفة ممن حاول ولم يزل تصحيح أخطاء السابقين في الكتابة عن المرأة والأنثى بشكل عام، وبالتالي معالجة ما ارتكبته الأساطير والخرافات سواء منها ذات الطابع الدّيني أو الفلسفي من ظلم وإسفاف في حقها، الشيء الذي يجيز القول بأن ما يتحدث عنه أديب كمال الدّين وبهذه الطريقة في نص "غزل حروفي" ربما قد لا يكون له أيّة علاقة بمفهوم المرأة العام المتعارف عليه لدى الجميع، كيف ذلك؟ هذا ما سيُحاوَل إيضاحه فيما يلي من القول:

يقول أديب كمال الدّين:

"ولذا

هذي المرّة

ستكونين امرأةً من حرف

أخرجكِ متى أشاء

أمام جمع الوحوش

بيضاء من غير سوء

بيضاء لذة للناظرين."

يوجد في هذا المقطع أثر للتجربة الموسوية أمام فرعون مصر وكهنته وسحرته، أي أن الأبيات تذكّر بالآيات القرآنية التي قال فيها عزّ وعلا:" وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ"[47] ثم "وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ"[48]، و"يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ. بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ. لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ "[49] وبناء على هذه الملاحظة يمكن إجراء مقارنة تناصيّة بين ما ذكر في هذه الآيات من ألفاظ وبين العبارات التي ذكرت في مقطع الشاعر:

 

الألفاظ الواردة في الآيات                            العبارات الواردة في المقطع الشعري

 

ـ وأدخل يدك في جيبك                               ـ أخرجك متى أشاء

ـ تخرج بيضاء من غير سوء                        ـ بيضاء من غير سوء

ـ فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين            ـ أمام جمع الوحوش

ـ بيضاء لذّة للشاربين                                 ـ بيضاء لذّة للناظرين

 

من هذه المقارنة يمكن استنتاج ما يلي:

هناك من الألفاظ ماهو غائب في مقطع الشاعر لكنه يوجد في المقاطع القرآنية، فمثلا حينما قال الشاعر: "أخرجك متى أشاء" هذا يعني أن "الشيء" محطّ الحديث كان داخل الجيب وهذا يقود مباشرة إلى التعبير القرآني"وأدخلْ يدَك في جيْبك"، لكن هناك في المقابل ألفاظ أخرى تمّ اقتباسها أولاً من آية قرآنية معينة وإضافتها ثانياً إلى ألفاظ قرآنية مستقاة من آية أخرى مختلفة عن الأولى وذلك بغرض الجمع بينها ثالثاً في تعبير شعري واحد، ويقصد بهذا الجمع قول الشاعر: "بيضاء لذّة للنّاظرين"، بالرغم من أن المتعارف عليه عند دارسي القرآن الكريم أن لفظ "لذة"، ذُكر في القرآن مقرونا بعبارة "الشّاربين" ولم يذكر أبداً مقترنا بكلمة "الناظرين"، لذا وجب طرح السؤال التالي:

ما السبب الذي دفع أديب كمال الدّين إلى اختيار هذا المنحى اللغوي الغريب؟

للجواب عن هذه الإشكالية سيتم الاشتغال على التعبيرين معا، القرآني والشعري:

 

 

 

 

ـ بيضاء لذّة للشاربين                                          ـ بيضاء لذّة للناظرين

 

في هذا التعبير إشارة لخـمـر الجنة                           يتلذذ الشارب بما يشرب ويسكر

ولبياض لونها ولذيذ مذاقها، إلا أن                           والنـاظر أيضاً يتلذذ بما ينظرإليه

الأمر قد يبدو غير كذلك إذا مـا تمّ                            وقد يُسحر به ويذهب لبّه.

الـتساؤل عن الـكأس الـتي تـوجـد

بها هذه الخمر، فلربما تكون هـي

البيضاء اللون وليست الخمر ذاتها.

 

بعد هذا التفكيك يظهر عنصر جديد، ويقصد به "الكأس" التي ذكرت في الآية القرآنية لكنها لم تذكر في عبارة "لذة للناظرين"، وهذا الظهور هو نداء ضمني مستتر لعبارة "الكأس" التي وردت في بداية النّص حينما قال الشاعر:

"وتعبتُ أكثر

من انتقالاتكِ المرّة الحامضة بين البراءة والذنب

ومن أغنيتك: أغنية الكأس والسكّين."

فما الفرق إذن بين كأس الآية وكأس هذا المقطع؟

كل كأس في القرآن هي خمر، والعرب تقول للإناء إذا كان فيه خمر كأس، فإذا لم يكن فيه خمر قالوا إناءً وقدحاً. فهل هذا يعني أن الكأس التي ذكرها أديب كمال الدّين هي كأس خمر حقاً أم ماذا؟ هذا السؤال لم يكن من الممكن طرحه لو لم تكن عبارة "أغنية الكأس" متبوعة بلفظة "السكّين". وهذا يقود إلى تساؤل آخر يتغيأ البحث عن العلاقة بين الكأس والمرأة وبينهما معا و"السكّين".

قديماً كان العرب يرمزون للكأس بالمرأة الحامل أما السكّين فغالباً ما تكون بين طياتها إشارة لعنصر النكاح وهو قد ورد هنا في البيت الشعري بمعناه المادي وليس الوصالي الاتحادي بدليل أن البيت مسبوق بعبارتي "الحامضة" و"الذنب"، لكن لماذا "المرأة" هنا في هذه الصورة تبدو من جديد وكأنها غانية أو فتاة ليل؟ ولماذا بعد ذلك "المرأة" ذاتها ستتحول إلى "حرف" وتصبح بيضاء لذة للناظرين؟ هل يعقل هذا؟ لا شك وأن الأمر فيه شفرة لابد من فكّ رموزها.

نص "غزل حروفي" كما سبقت الإشارة مقسم إلى جزئين أو مرحلتين ولفظ "لذا" الذي أتى مسبوقاً بالبيت الذي قال فيه الشاعر"ومن أغنيتك: أغنية الكأس والسكّين" يبدو وكأنه حقاً سكّيناً أخرى غير (سكّين الكأس) قطعت بين زمنين وموقفين وتجربتين. لكن إذا كان الحديث عن الكأس قد أوصل إلى الحديث عن "المرأة"، وإذا كان الكلام عن السكّين قد قاد إلى ذكر الحديث عن النكاح وعن لفظ "لذا" القاطع بين مرحلتين، فإلى أي درب سيوصلك ويوصلني أيها القارئ الحديث عن "جمع الوحوش" وعن "سحرة فرعون"؟

سبق الحديث عن يد موسى البيضاء من غير سوء وعن المرأة الحرف التي أراد لها أديب كمال الدّين أن تكون بيضاء هي الأخرى لذّة للناظرين، لكن بقي عنصر لم يتم ذكره وإن كان حاضراً بشكل قوي التخفي والتستر، إنها "العصا"، عصا موسى أولاً وعصا أديب كمال الدّين ثانياً:

 

عصا موسى

                                                         

في الآيات التي سبق ذكرها تمّ الحديث عن موسى (ع) الذي طلب منه الله عز وعلا أن يخرج يده من جيبه بيضاء من غير سوء، وهي نفسها اليد التي ستمسك بالعصا التي سيلقيها وستتحوّل إلى أفعى كبرى تلقف ما صنعه السّحرة من إفك، بمعنى تفضح من غير التهام وتظهر أفاعي الدجالين على حقيقتها الأصلية، أي كونها حبالاً وعصياًّ ليس إلاّ. وليس هذا فحسب فبالعصا فلق موسى البحر وبها ضرب الحجر.

هذا يعني أن من هذه العناصر يمكن استخراج المفاتيح التالية:

ـ الجيب

ـ اليد

ـ العصا

ـ البحر والحجر

 

عصا أديب كمال الدّين

 

منذ البداية والشاعر يشير إلى "امرأة" أصبحت في نهاية الرحلة شمعة داره، وكما يعلم الجميع فما من حرف يشبه العصا والشمعة في اللغة العربية سوى الألف، وهذا يعني أنه ما من امرأة أو أنثى في هذا النّص، ما من شيء هنا سوى الألف وما من أنثى سوى النفس البشرية التي في طريقها إلى الكمال تركض من بحر إلى آخر وتتنقل بين الذنب والبراءة وبين الكأس والسكّين، وعليه فإن المفاتيح التي يمكن استنتاجها في هذا الجزء هي الآتي ذكرها:

ـ الكأس

ـ السكّين

ـ الشمعة

وعملية جمع بين مفاتيح المقطع الخاص بعصا موسى (ع) وعصا أديب كمال الدّين توصل إلى العلاقة الآتية:

جيب + كأس= غمد

غمد لأي شيء؟

غمد لـ: السكّين وللعصا وللشمعة كما الأنثى غمد للذكر وكما الجسد غمد للنفس التي تحولت سكينها إلى عصا وعصاها إلى شمعة وشمعتها إلى قيّوم الحروف كلّها: الألف أو المرأة التي سمّاها الشاعر بـ"امرأة من حرف"، والتي يحمل هذا المقطع من قصيدة "محاولة في العزلة" وصفا دقيقا لها:

"هكذا فأنا أجلس في نفسي

لأحرس نفسي.

ولكي لا أنسى ما صُنِعَ بي

وضعتُ رمحاً على بابي

خضّبته بدمي

وصنعتُ من الطين

رأساً كرأسي

وضعتهُ على الرمح

وبكيت..

بكيتُ حتّى سالتْ روحي

فرددتها إليه... إلى الرأس.

***

كلّ صباحٍ أركعُ أمامه في خشوع

لأقول له:

"صباح الخير

أيها الرأس المثقل بالأسى والحروف".

فيردّ عليّ في هدوءٍ عظيم:

"صباح الخير

يا صاحبَ العزلةِ السعيدة!"[50]

 

 

1.3   المرأة النّقطة وظاهرة التّواصل الحسّي

 

يقول أديب كمال الدّين في نصّه "رسالة الحَرْفِ إلى حَبيبته النّقطة"[51]

 

"حبيبتي:

أيتها النقطة،

أيتها الحمامة،

أيتها الصّخرة الملقاة على حافةِ النهر،

أيتها الوردة الطيّبة،

أيتها الابتسامة اللذيذة كقيمرِ الصباح،

أيتها الدمعة: اللؤلؤة،

كيف أجدكِ الليلة؟"

 

ليس ثمة من شكّ في أنّ هذا المقطع من نّص "رسالة الحَرْفِ إلى حَبيبته النّقطة" يحبل بالكثير من الصّور والانزياحات المُتنوّعة والمُختلفة، لكنّ الذي يشدّ الانتباه بشكل أكثر عمقاً من غيره، هو هذه الطاقة الهائلة التي يزخرُ بها المُعجمُ الحسّي للقصيدة بشكل تتحوّل فيه المشمُومات إلى ألوان، والمسمُوعات إلى عطور والمرئيات إلى أنغام تتفاعل وترقصُ فيها وبها ومعها جميع حواسِّ المُتلقّي كي تتفجّر عند نهاية الرّحلة وتتدفّق مع الشّاعر متّخذة أشكالا جديدةً من الصّور الطّازجة والخارجَة عن عالم المُدرَكات الحسيّة مُخالفة في هذا كلّ الأعراف اللغوية والتصْويرية العادية، لذا وَجب التوقف في هذا المقطع عنْد كلّ حاسة على حدة:

ـ حاسّة البصر:

 

إنّ أوّل ما قدْ يصلُ إلى عين القارئ من الصور هنا هي صورة عاشق يشبه ساحر سيرك بين يديه قبعة سوداء طويلة يدخل فيها بخفة يد ورشاقة حركة "النقطة" ثم يخرجها وقد صارت "حمامة" أو "صخرة" أو "وردة" أو "صحنا من القيمر" أو "دمعة" أو "لؤلؤة". كذلك يوجد داخل الصّورة نفسها عنصرٌ آخر يصل إلى العين مباشرةً وهو عنصرُ اللون: فالنقطة لونها أبيض والدليل على ذلك عبارتَي: "أيتها الابتسامة اللذيذة كقيمر الصباح" و"أيتها الدمعة: اللؤلؤة"، إذ ما من شك في أنّ لون القيمر والصباح واللؤلؤ هو أبيض، ولذا جاز القول ووفقاً لقاعدة الاستنتاج الضمني، بأنّ الحمامة والصخرة والوردة لا يمكنهنّ أن يكنّ جميعهن سوى بيضاوات اللون بامتياز.

ـ حاسة الشم والتذوق

 

لو لم يكن عنصر الماء هنا حاضرا عبر ذكر مصطلحي "النهر" و"الدمعة"، لكان من الصعب جدا الحديث عن نوع الرائحة الكامنة داخل أبيات هذا المقطع، التي هي بدون شك رائحة عطرة وطيبة، مادامت تنبع من الوردة ومن القيمر، لكن هذا لا يكفي، على المتلقّي أن يتوغّل أكثر وأكثر كي يحدّد طبيعة هذه الرّائحة هل هي نابعة من عنصر الملوحة أو عنصر الحموضة أو عنصر الحلاوة أو عنصر المرارة، ويحدّد أكثر وبشكل أدق درجة الرطوبة والسيلان الساكنة داخل كل هذه العناصر، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا من خلال استخدام حاسة التذوق عبر الأنف وليس عبر اللسان مادامت هناك من الروائح والعطور القوية ما تصل إلى الحلق مباشرة من الأنف.

إذن لدينا عنصران أساسيان للقيام بهذه التجربة: الدمعة والقيمر.

الدّمعة كلها ماء، إذن فهي رطبة ومتدفقة ودائرية الشكل، لها طعم مالح. أما بالنسبة للقيمر فكله حليب ومصل، وفي الإشارة لهذين المقطعين علاقة وطيدة بعناصر أخرى تمّ ذكرها في هذا المقطع من القصيدة ويُقصد بها: الوردة واللؤلؤة، باعتبار أن هذه الأخيرة لا تتكون علميا وكيميائيا داخل المحارة إلا إذا تسربت إلى محارتها حصاة من الرمل أو الصخر فيتهيج الحيوان الرخو بداخلها ويتألم بشدّة ويبدأ دفاعا عن نفسه في إفراز مادة من الخلايا الظهارية وفي بناء طبقات متعددة ومتماسكة من الأرجونيت أو من كاربونات الكالسيوم التي تصبح بعد ذلك لؤلؤاً كاملاً. وعنصر التهيّج والألم الداخلي الحاصل داخل المحارة فيه نداء لتهيّج آخر له علاقة وطيدة بالدمعة المالحة المذاق كملوحة ماء اللؤلؤة، فهي غالبا ما لا تتكون إلا إذا حدث ألم داخلي بقلب الإنسان. إذن فالأجسام التي تتخلق فيها السوائل عبر عُنصر الألم في هذا المقطع ثلاثة وهي كالآتي:

ـ المحارة = اللؤلؤة

ـ العين= الدمعة

ـ القلب = الدم

أما السّوائل فهي أربعة: ماء المحارة + ماء العين + مصل القيمر + دم القلب

وكلّها سوائل مغذّية ترمز إلى عنصر تخليق الحياة في محارة الكون، أو وسط وردته الصوفية التي احتضنتْ منذ الأزل حليب التخليق ونقطته البيضاء اللؤلؤية المنطوية على الحقيقة المحمدية والتي لا شكّ يتمنى كل عاشق أن يقضي في حضرتها ولو جزءاً من الثانية كما سبق وقال الشاعر في مقطع من (خطاب الألف):

" المغنّي يتمنّى الصفاء

ويريد أن يقضّي العمر مع حبيبته

وأنا أريد أن أقضّي معك

ساعة صفاء واحدة

أو دقيقة حبّ واحدة

أو لحظة اطمئنان واحدة

أو ثانية مسرّة واحدة."[52]

مرّة أخرى ما من امرأة أو حبيبة بالمفهوم المُتعارف عليه في هذا النّص، لا حضور هنا سوى للنّقطة التي لولاها ما غنّى لها هذا الألف الشاعر الواقف العاشق المتيّم كل هذه القصائد المغرقة في الشوق والوله والصبابة عبر كتابة  15 ديوانا ، فهي هو، عبارتان لذات واحدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصلُ الثالث

دَلالة الألم والصّليبِ والمَوْتِ

 

1.1         دلالة الألم

 

ـ    أديب كمال الدّين سيزيف السعيد بصخرة الألم

يعتبر الروائي الفرنسي "ألبير كامو"، أوّل من استخدم عبارة (سيزيف السعيد)، في بحث فلسفي من مائة وعشرين صفحة عنونه ب (أسطورة سيزيف) ونشره سنة 1942[53] . فهو يعتقد أن كلّ ما في الوجود عبث لا طائل منه، وأنّ الموت هو الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة، وأنّ كلّ ما يقوم به الإنسان ويكتسبه من خبرات مهما بالغ في فلسفة جدواها وقيمتها ما هي إلا تسلية لا نفع يُرجى من ورائها وفائدتها الوحيدة هي قتل الملل في انتظار خلاص لا يأتي. ما الهدف من الحياة إذن؟ وهل لهذه الأخيرة معنى؟ هكذا يظهر بقوّة السؤالان الوجوديان العظيمان اللّذان شغلا فكر "ألبير" مثلما شغلا أديب كمال الدّين. لكنّ "ألبير" في محاولة منه لإيجاد حلّ لهذه الإشكالية يتحدّث عن ظاهرة "الانتحار" باعتبارها نتيجة حتمية لتضخّم الفراغ وقوّته بل سيطرته على الإنسان بشكل يجعله يشعر بقسوة المحاصرة والعزلة وكأنّه في سجن حقيقيّ كبير اسمه "الحياة"، حقيقة توصّل إليها الكاتب الفرنسي وغيره من أدباء الضّفة الأخرى وآمن بها بشكل جعله يُلغي مصطلح الأمل من قاموسه اليومي، وكلّ خيط يمكنهُ أن يربطه بالإيمان والعلم والدّين.

الإنسان العدمي إذن لا يُؤمن بالغيبيّات، لا يؤمن بالله، لا يؤمن بالغد ولا يؤمن بأيّ شيء سوى العدم واللاجدوى ذاتهما. "ألبير كامو" يتحدث - كمفكر لا يؤمن بالله- عن الإنسان الذي يحبُّ الحياة ويتشبث بها كما يتشبث الغريق بقشّة تبن وسط بحر هائج بالرغم من شقائه بها وبعبثيتها ولاجدواها، بالضبط كسيزيف الأسطورة الإغريقية الذي يحبُّ صخرته العجيبة ويستمتع بتكرار حملها إلى قمة الجبل على الرغم من علمه بأنه كلّما وصل بها إلى القمة كلما تَحتّم عليه أن يعود إلى السفح كيْ يجلُبها منه من جديد ويحملها على كتفيه في صعود ونزول أبديين، وقد يكون هذا ما دفع بالكاتب الفرنسي إلى الحديث عن مفهوم جديد أسماه ب "الحرية العبثية" أي حرّية أن يقنع الإنسان بالحياة ويعيشها ويستمتع بها كما هي وبلامبلاة لا ترجو من الحياة شيئا سوى الحياة نفسها، أي ما يمكن تسميته بنوع من حرق الحياة حتى آخر رمق على حسب تعبيره في روايته (الموت السعيد)[54]. إنّه نوع من الدونجوانية، أومن الانسلاخ عن القيم الروحية بشكل يجعل الإنسان يتقدّم نحو التدمير القهري للذات بدون أدنى ذرّة ندم أوشعور بالذنب، فكل شيء جميل كما هو، وكل شيء مفرح وسعيد، وما على الإنسان كي يعيش سوى أن يتخيّل نفسه السيزيف السعيد، فهل هذه هي ذاتها السعادة السيزيفية التي يتحدّث عنها أديب كمال الدّين؟ هل هي السعادة الدونجوانية والعبثية؟ أم أن سعادة هذا الشاعر بصخرة الحياة لها طعم ونكهة أخرى؟

يقول د. ضياء نجم الأسدي في مقالته (المشروع الشعري لأديب كمال الدّين/ تشابيه لواقعة الخلق): "يحاول أديب كمال الدّين في منهجه الشعري أن يصنع عالمين: أحدهما افتراضي يلعب فيه الحرف دور البطولة المطلقة ويمارس القوة الإنجازية بما أودعه الشاعر فيه من قدرة على الخلق. فهو في عالم القوة والفعل معا.(وهوبهذا يمارس)[55] لعبة خطيرة ويحاول أن يحاكي قصة الخلق والتكوين. إنها تشابيه لواقعة الخلق. يريد الشاعر أن يجسدها أمام الخليقة (في عالمه الواقعي) ليريهم المدى الذي بلغته خطيئاتهم الكبرى والحد الذي وصلوه في التمرد على بارئهم وجحود لطفه "[56].

لذا فإن السّعادة السيزيفية الدّونجوانية وفق ما صورها العديد من العدميين واللّاجدوانيين لا يمكن اعتبارها سوى شكل من أشكال هذا التمرد على الخالق الواحد الصمد، هذا التمرّد الذي بموجبه تمّ التصريح بصورةٍ علنية أو ضمنيّة بمشروعية كلّ فعل يُمكن للإنسان أن يَقوم به مهما كان شاذّاً أو مخالفاً للفطرة البشرية . وهذا النوع من التمرّد بالذات هو ما أراد أديب كمال الدّين أن يسلّط الضوء عليه، عبر قصائد تشبه السيرة الذاتية يحكي فيها عن تجاربه مع حروف أخرى لم ينل منها إلا القسوة والألم والعذاب، لكن القول بهذا فقط يظلّ أمراً غير كاف ومشحوناً بالعديد من الفجوات المُقلقة، خاصّة وأنّ قراءة مجاميع أديب كمال الدّين الشعرية وقصائدها المتنوعة تجعلُ الباحثَ يشعرُ بقوّة ضاغطةٍ مستمرة ذات اتجاهين متعاكسين ومتضادّين فيما بينهما، فمِنْ أين للدارس أن يتحدّث عن فضح الشاعر، بنوع من اللّوعة والحسرة والألم، لمختلف مظاهر جحود الإنسان وجبروته وحمقه وظلمه، ومِن أيْن له بعد ذلك ترك كل هذا ليتحدّث عن شاعر تتحوّل بين يديه كلّ أشكال القسوة إلى سعادة وشمس بل إلى نقطة فرح عظيم لا يعرف كنهها إلا العارفون؟

للحديث إذن عن هذه الجبروت وعن قلب الإنسان الصّخرة التي تتحول قسوتها إلى سعادة وشمس عبر معارج يتم فيها الرقص والمشي في آن واحد على حبال الحرف والكلمة سيتمّ اختيار قصائد معينة من دواوين مختلفة للشاعر والعمل عليها بالتالي كنموذج للبحث عن مظاهر هذا التحول الإسرائي داخل الروح الإنسانية وهي في طريقها نحو ما لا عين رأت ونحو ما لا خطر على قلب بشر.

 

ـ         جدلية التجاور والجمع في قصائد أديب كمال الدّين أو سيزيف السعيد بصخرته

 

إنّ أهمّ ما يُميّز قصائد أديب كمال الدّين الواردة في مختلف المجاميع الشعرية حديثها أو قديمها هو هذه العلاقة المتواشجة فيما بينها وإن باعدت بينها سنوات الإصدار أو أمكنته، وهي في هذه العلاقة التكاملية لا تريد أن تؤسس لأيّ مظهر من مظاهر التكرار أوالرتابة للطريقة التي يتمّ من خلالها التطرق لمعنى معين أو موضوع ما، بل على العكس من ذلك، فالغاية هي وضع اللبنات الأولى لبناء معماري تحْتكِمُ هندسته إلى وشائج صامتة تختلف ملامحها باختلاف درجات وعي الشاعر بها أثناء ممارسته لفعله الكتابي. إذ غالباً ما تطرح قصيدة ما سؤالاً معرفياً ما في ديوان أول كي يُكتشف فيما بعد أن الجواب عنه قد يكون في الديوان الذي يليه أوالثالث أوالرابع، كما أنه غالباً ما يطرح الشاعر قضية ما أو يحكي قصة ما لا يجد الدارس لعقدتها حلاًّ إلا فيما يلحقها من الدواوين الأخرى، فما الذي يربطُ إذن قصيدة تنتمي إلى ديوان معين بقصيدة أخرى توجد في ديوان لاحق؟ ما دواعي هذا التجاور الذي تقيمه الذات الكاتبة بين قصائد تنتمي لمجاميع مختلفة؟ هل يتعلّق الأمر بتقارب في زمن الإنتاج أم أن الزمن الشعري لا يتقيد بمواضعات الزمن المقيس؟ أم هل تتعلّق المسألة بتطوّر في النسق الفكري والمنهج التركيبي التفكيكي الذي اختاره الشاعر للتعبير عن تجربته الشعرية الفريدة؟ أليس الجمع بمختلف معانيه هو أسّ الممارسة الكتابية؟ لا يُرام الغوص هنا في مفهوم التأليف بقدر ما يُراد تسليط الضوء على إشكالية التجاور الذي أقامه الشاعر أديب كمال الدّين بين قصائد متفرقة من دواوين متباعدة في سنوات النشر والكتابة سيُختار منها قصيدة (ملل) باعتبارها نصّا من بين نصوص أخرى تهمُّ موضوع سيزيف السعيد بصخرته أو سيزيف الذي تتحول صخرته إلى شمس تزداد جمالا وعظمة بسرّ قوله تعالى:} اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَولَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}[57]

 

* قصيدة (ملل)

 

النّص هوالخامس من مجموع أربعين قصيدة تنتمي كلّها إلى ديوان (حاء) الصادر بعمّان سنة 2002 عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ويتكوّن من 55 بيتا، وهو بالإضافة إلى ذلك مقسم إلى خمسة أجزاء. حسب هذه المعطيات الأولية يمكن ملاحظة مايلي:

ـ ورود الأعداد التالية:

 55: عدد الأبيات

8: هو المقابل الرقمي لحرف الحاء حسب علم الأعداد والحروف.

هذه القصيدة لوحدها تحمل في طياّتها البذرة التي خرج منها ديوان (مواقف الألف) المكون من 55 موقفا، ولا علاقة للصدفة في وجود هذا الرقم أوغيره من الأرقام في التجربة الأديبة. والدليل على كون القصيدة لها امتداد وجذور بديوان (مواقف الألف) نصّ (موقف الباب) الذي يتحدّث بشكل واضح في جزئه الأخير عن (السأم) كمرادف من مرادفات (الملل) حسبما ورد في (لسان العرب) لابن منظور بالجزء الخاص بكلتي المفردتين[58]

وللكشف عن رمزية الرقم 55 في قصيدة (ملل) كما في ديوان (مواقف الألف)، لن يحتاج الدارس إلى البحث عنها في كتب المنجّمين وغيرهم ممّن يهتمُّ بهذا النّوع من العلوم، بقدر ما هو في حاجة حقيقية للبحث عنها في نصوص الشّاعر، كي يتسنّى له تتبّع مراحل التطور والتصاعد الحركي لروح وفكر الشاعر، وبالتالي اكتشاف مختلف المعارج التي مرّ بها، بعضُها مأساوي وبعضها الآخر مغرق في الاستحالة والسريالية العجيبة لارتباطها بمشاهد الدم القاسية، ومشاهد الموت وبخيانات الأصدقاء أوالأعدقاء (كما سمّاهم الشاعر نفسه) نساءً أو رجالاً.

قصيدة (ملل) إذن خطوة نحو خلاص لن يتحقق إلا بختم 55 معراجا عبر مرحلة من التشرنق وبالتالي الولادة من بين رمل وطين، وفرث ودم، وحديد وحجر داخل رحم شديد الاتصال بديوان (حاء) الذي يرمز في رقميته الحرفية إلى التوازن الكوني والطهارة بعد الخروج من سجون أهل حاء الحرب وحاء الحقد وحاء الحمق للركون والسكون إلى أهل حاء الحُلم والحُبّ والحكمة والحق الأكبر وهي كلها معان تجد لها صدى وأثرا في قصيدة (ملل) بدءا من العنوان وحتى آخر جزء فيها.

 

ـ الجهاز العنواني في قصيدة (ملل)

 

ما ورد مصطلح "عنوان" في المعاجم العربية إلا وكان مرتبطا بمصطلح "الكتاب" ولم يسبق له أبداً أن كان مرتبطاً بكلمة "القصيدة" أوبعبارة "النّص الشعري" وسبب هذه الظاهرة شديد الالتصاق بتاريخ القصيدة العربية نفسها، فالنّصوص الشعرية منذ العصر الجاهلي لم تكن ترد مصحوبة بعنوان لأن اسمها غالباً ما كان يولد معها في المطلع أوعبر القافية، وقد سار العرب على هذه السنّة حتى عصر النهضة الحديثة حين بدأت تهبّ نفحات التجديد من الضفة الأخرى من خلال أقلام شعراء أقاموا في المهجر، وآخرين زاروه وآخرين قرأوا لرواد تحديث القصيدة والشعر بشكل عام فكان من آثار هذا التحديث ظهور العنوان كمُحدّد لفحوى القصيدة وصيرورته جزءاً من مهمة الشاعر بعد أن كان جزءا من مهمة القارئ أوالسّامع.

وعلى هذا الأساس أصبح النّص الشعري الحديث معادلة مهمّة سقفها العنوان وأرضيتها النّص، وأصبح العنوان اليوم أكثر من أيّ زمن مضى جديراً بالدراسة والتحليل من منطلق أنّه حمولة مكثّفة للمضامين الأساسية النّص، ونص مصغّر داخل نص كبير، أو بصيغة أخرى نظام سيميائي ذو أبعاد دلالية، وأخرى رمزية تدفع الدارس إلى السعي نحو استقراء رموزه والوصول إلى مفاهيمه النّصية المتراكمة داخل الحيّز النّصي. [59]

لذا لم يكن اهتمام السيمياء بالعنوان أمراً نابعاً من فراغ أو من صدفة،  بل لكونه أصبح ضرورة كتابية جعلتْ منه حقلاً لغوياً ناجحاً في مقاربة النّص الأدبي وكذا لكونه أولى عتبات النّص التي لا يجوز تخطّيها بهدف تحرّي الدّقة العلمية في التحليل وفي المقاربات التأويلية للنّص جسداً وروحاً، أو شكلاً ومضموناً[60]

لكنّ هذا لا ينفِي وجودَ وجهة نظر أخرى ذهب إليها باحثون آخرون لا يُعَوّلون كثيراً على العنوان ولا يعطونه كل هذه الأهمية باعتبار أنّ القصيدة بشكل عام ليست تلك التي تتولّد من عنوانها، إنّما العنوان هو الذي يتولّد منها، وما من شاعر حق إلاّ ويكون العنوان لديه آخر همّ يفكر فيه[61] وهذه المسألة هي إلى حدّ ما صحيحة لكن الغاية المتوخّاة هنا، هي البحث في مدى أهمية الجهاز العنواني بالنسبة للقارئ لا الشاعر باعتبار أن العنوان أولى العتبات التي يلج منها المتلقّي إلى النّص. ومهما تكن الحالات والإشارات العنوانية، فهذا لا يمنع من القول بأن مظهر العنوان بشكل عام قد اختلف عبر تاريخ القصيدة العربية باختلاف اتجاهات الشعراء ومدارسهم. فثمّة مَن كان يختار لقصائده عنوانا يشير إلى فحواها بشكل صريح وثمّة مَن كان يختار عناوين للإيهام والإشارة الرمزية وثمّة مَن كان يجتزأ العنوان من القصيدة ذاتها فهل هذا هو شأن أديب كمال الدّين أيضاً في قصيدته هذه؟

عنوان قصيدة الشاعر كما سبقت الإشارة هي (ملل) وهو عنوان حمّال لأوجه تفسيرية عديدة: فكما هو مجتزأ من نص القصيدة أو بتعبير أدقّ من فحواها، فهو في الوقت ذاته عنوان وهمي أو مأزقي، بمعنى أنه يضع القارئ بين فكّي سؤال التشكيك في حالة ملل الشاعر والرغبة في السير قدما من أجل البحث عن الشعور الحقيقي الذي يخفيه عنوان هذه القصيدة، هل هو حقاً (مَلل) بالمعنى المتعارف عليه أم هو شيء آخر لابد من كشفه؟

من الناحية اللغوية والنحوية (مـَلَل) هو مصدر مشتق من فعل ثلاثي (ملّ/ من ملِلْتُ، يملّ/ ملّ/ مللاً وملالة وملالا، فهو مَلّ) وقد أدرجه الشاعر مستخلصاً إياه من الصيغة الماضية للفعل ذاته والمتصلة بتاء المتكلّم (مَللْتُ) والمتكررة في القصيدة لما يزيد عن ستّ مرّات.

أما من الناحية الشعرية فعنوان (ملَل) إذا وُضع في ميزان أهل المدرسة الرومانسية فإنه يصبح دون شك عنواناً له علاقة وطيدة بالحالة النفسية الخاصة بالشاعر باعتباره يُعبّر عن شعور داخلي وذاتي يحاول إيصاله إلى القارئ.

أما إذا وُضع في ميزان أهل أدب الضفة الأخرى فالعنوان يغدو شديد العلاقة بصرح فكري عظيم خصّه شعراء الغرب وأدباؤهم وفلاسفتهم لمناقشة وتحليل إشكالية الملل من مختلف جوانبها النفسية والفكرية والاجتماعية. ولعلّ أول وأقدم من خاض غمار وبحار هذه القضية هو الفيلسوف والشاعر الإيطالي الأبيقوري "تيتوس لوكريتيوس كاروس" (96 ق.م ـ 55 ق.م) وذلك عبر الأبيات الأخيرة من ديوانه الشهير «في طبيعة الأشياء» (De Rerum Natura) والتي يتحدث فيها عن حالة نفسية غريبة تنقضّ على الإنسان فجأة فتجعله يشعر بالتعب من الحياة (taedium vitae)، تعب لا ينبع وفق تصور الشاعر إلا عن عدم القدرة على معرفة الأسباب الحقيقية لتعاسة الإنسان، هذا الكائن الذي أثبت في كل مرة فشله الذريع في استيعاب فكرة الموت وتقبُّلها بروح رضية. الشيء الذي يدفعه وبشكل أبدي إلى الجري وراء سراب الحياة وبالتالي السقوط بين مخالب السأم، فيصبح كحيوان مريض منهك القوى لا قدرة له على فعل أي شيء. وفكرة المرض الروحي هذه هي ذاتها التي أشار إليها الشاعر الإيطالي الوسيطي "فرانشيسكو بيتراركا" (1304 ـ 1374) في يومياته التي جمعها في كتاب أرسله إلى صديقه الفيلسوف "القديس أوغسطينوس" يعترف فيه بإصابته بمرض لا يستطيع تحديد هويته أو وصفه سوى بعبارات (عدم الرضا) والشعور (بالخوف من الغد) و(عدم الرغبة) في الحياة، لكن الشاعر الفرنسي "شارل بودلير" يبقى أهم شاعر قلب كل الموازين فيما يمكن تسميته بأدبيات (الملل) لأنه أول من ارتقى به إلى عالم الشعرية والفنية الجمالية، فلم يعد الملل مجرد علّة تصيب النفس البشرية ولكنه أصبح حالة من السأم والحزن العميق الذي يصيب مجتمعا بأسره، أو أهل حقبة معينة من الناس وخاصة المنتمين منهم إلى الطبقة البورجوازية، وهذا ما يعلل ظهور مجموعة قصائده النثرية (سأم باريس) التي يقول فيها مقترحا على الإنسان حلا قد يكون ناجعاً لألمه الروحي وبؤسه العظيم: "لابد للمرء من أن يكون  في سُكْر دائم. تلك هي الخلاصة: تلك هي القضية الوحيدة. فلكي لا تشعروا بعبء الزمن الفادح الذي يحطم كواهلكم ويحنيكم إلى التراب، لابد لكم من أن تسكروا بلا هوادة. ولكن بماذا؟ بالخمر أو بالشعر أو بالفضيلة، بحسب ما تهوون ولكن اسكروا." [62] إنه نوع من الهروب من عالم القبح إلى عالم الجمال الذي عبّر عنه في مواطن عديدة من قصائده سواء المنتمية إلى مجموعة (سأم باريس) أو إلى (أزهار الشر) أو إلى (الجنان الاصطناعية)، التي لا شيء فيها سوى تلك الواحة الوهمية التي يركن إليها الشاعر هرباً من صحراء ملله القاحلة. لا شيء سوى السراب والوهم، أو خدر السُكْر الذي سرعان ما ينقشع بمجرد لحظة صحو مهما كانت قصيرة أو عابرة، فهل هذا هو الحلُّ الذي يقدمه الشاعر أديب كمال الدّين للإنسان بهدف إنقاذه من داء الملل؟

دون الخروج عن الجهاز العنواني للنّص يُلاحظ أن الصيغة الاسمية للعنوان (ملل) تتجه مباشرة نحو تعيين مرجعية النّص ذاته وذلك من خلال إحالة القارئ بشكل مباشر على موضوع الرسالة التي يرمي النّص إيصالها وبالتالي اختزال الفرق التأسيسي بين دلالية اللغة الشعرية ومعنى الخطاب نفسه، لذا يمكن القول بأن العنوان الذي اختاره الشاعر أديب كمال الدّين له هنا ثلاث وظائف: الأولى تعيينيّة (Fonction de désignation) والثانية وصفية (Fonction descriptive) والثالثة دلالية ضمنية (Fonction sémantique et implicite). أما التعيينيّة فقد استخدمها الشاعر من أجل إعطاء اسم لقصيدته وتحديد هوية النّص. أما الوظيفة الوصفية فهي متصلة بالمعنى المعجمي لكلمة (ملل) وقد استخدمها الشاعر من بابها النفعي المحض بشكل سيجعل منها حقلاً لغوياً تستهدفه قراءات نقدية مختلفة ومتباينة فيما بينها، بين مُستحسِن للصيغة المختزلة للعنوان أو غير متقبِّل لها، وهذا ما خطط له الشاعر مع سبق الإصرار، إذ تجده قد لعب على وتر حريته كمُرسِل في أن يجعل من عنوانه هذا أمرا مختلطاً ومبهماً بشكل يجعل من القارئ والدارس معا فكرين مقيّدين دائما بفرضية الاحتمال في تأويل الدلالة الضمنية لعنوان (ملل) دون الجزم بأي شيء، إذ ما مِن أحد يمكنه القول بأنه وصل إلى مح بيضة الشاعر في هذا النّص كما في غيره من النّصوص القادمة، وعليه فإن كل قراءة تبقى قراءة افتراضية لا مجال للمطلقية فيها. هذا عن الوظيفتين التعيينية والوصفية للعنوان فماذا عن الوظيفة الدلالية الضمنية؟

عادة ما تأتي الوظيفة الدّلالية مصاحبة للوظيفة الوصفية وتحمل بعضاً من توجهات المبدع بشكل عام في نصه، وأديب كمال الدّين في أسلوب اختياره لعنوان قصيدته هذه اعتمد على الاختزالية والبساطة والزهد في استخدام الألفاظ والمصطلحات، فكانت النتيجة أن أصبح للنّص قدرة إيحائية وتلميحية منقطعة النظير[63]، إذ ما من قارئ يقرأ هذا العنوان المتكون من كلمة واحدة لا غير (ملل)، إلاّ وسيصل إلى ذهنه وبسرعة البرق بأن الشاعر هنا هو بصدد معالجة آفة الإنسان القديمة الجديدة الأزلية، فيتحقق بذلك هدف اختراق العمق الدلالي الداخلي لكلمة (ملل) نفسها كنعت لصيق بالصفة البشرية العقلانية للإنسان، وذلك لأن هذا الأخير يستوعب حتى الصميم قضية كونه مخلوقاً في حالة احتياج دائم، وهذا الاحتياج أو الحاجة الأبدية هي المسؤول الأول عن إحساسه الدائم بالألم. فالإنسان يَعرفُ أنه "يريد" وأنه "يحتاج" من أجل إرضاء كل رغباته، بل يَعرفُ أيضاً ألا حدّ لهذه الرغبات التي تتوالد باستمرار لا يُوقف. لذا فإنه لا يجد المتعة في أي شيء مادام إرضاء الرغبات نفسه يُولّد الألمَ، والألمُ يولّد المللَ، والمللُ في غياب القناعات الإيمانية غالبا ما يقودُ الإنسان  إلى الانتحار.

 

 

 

 

 

ـ    من العنوان إلى النّص: بين التواصل الآلي والتواصل التفاعلي

 

سبق وأن تمت الإشارة إلى أن قصيدة (ملل) مقسمة إلى خمسة أجزاء، لكن الذي لم تسبق الإشارة إليه هو أن كل جزء من هذه الأجزاء الخمسة يمكن تقسيمه إلى أجزاء أخرى وفقاً لمنهاج معين سيسمح بالتوقف بشكل أكثر تركيزا عند الجزء الأول من النّص، وذلك بغية تفكيكه والوصول إلى قراءة شفراته ووضع اليد على العلاقة الكامنة فيه بين الشاعر وبين ما يريد إيصاله إلى المتلقّي، ناهيك عن الرغبة في دراسة ما قد يكون من صلة بينه وبين نصوص أخرى تحتويها دواوين صدرت في فترات وأماكن مختلفة ومتباعدة، وذلك بهدف تأكيد ما قيل سابقا عن فكرة التجاور والجمع بين قصائد أديب كمال الدّين في معظم مجاميعه الشّعرية.

 

الجزء الأول من قصيدة (ملل):

(1)

مللتُ من النظرِ إلى الدببة

وهي تأكلُ بشراهة

من عطايا دبّها الكبير،

ومن القردة

وهي تتسلّقُ، كلّ يوم، الأشجار

لترمي الثمار

وتملأ الهواء صراخاً وزعيقاً.

مللتُ من الكلاب

وهي تتشمّمُ الجثث،

ومن الببغاوات

وهي تدهسُ الكلمات،

ومن الحمامة

وهي تتركنا، كلّ يوم، لنموت

وسط سفينة الحروف

بحثا ًعن نوح وطوفانه العظيم.

تكرار فعل (مللتُ) هو إشارة "تفصيلية" ترسل إلى الدارس نصاّ أو رسالة تفكيكية يمكن العمل عليها بالشكل التالي:

 

مللتُ من النظرِ إلى الدببة

وهي تأكلُ بشراهة

                                            من عطايا دبّها الكبير

 

ومن القردة

وهي تتسلّقُ، كلّ يوم، الأشجار

لترمي الثمار

وتملأ الهواء صراخاً وزعيقاً.

 

 

                                                مللتُ من الكلاب                            

وهي تتشمّمُ الجثث،

 

ومن الببغاوات

وهي تدهسُ الكلمات،

 

ومن الحمامة

وهي تتركنا، كلّ يوم، لنموت

وسط سفينة الحروف

بحثا ًعن نوح وطوفانه العظيم.

 

عبر هذا التقسيم لهذا الجزء من القصيدة يتضح ما يلي:

التدرُّجية في الإلقاء وفي إيصال الفكرة عبر مراحل وكأنها تخرج من أقماع ترشيحية تقطر منها رسائل الشاعر قطرة تلو الأخرى، وهذه المراحل يمكن تقسيمها إلى ما يلي:

مراحل خاصة بعنصري الفعل والحركة داخل الأبيات، وأخرى خاصة بالعنصر الطبيعي بمختلف مكوناته الحيوانية بشكل خاص.

عنصر الفعل والحركة: ويُقصد به كل الأفعال التي استخدمها الشاعر في هذا الجزء الصغير الكبير والتي يمكن تقسيمها بدورها إلى حقلين، الأول خاص فقط بفعل (ملّ) وبصيغته الماضية، والثاني خاص ببقية الأفعال.

الحقل الخاص بفعل (ملّ)

وقد تكرر بصيغة ظاهرة لمرتين (مللتُ) وبصيغة ضمنية مرتبطة بواو العطف ثلاث مرّات (انظر العبارات المخطوطة باللون الأسود الغامق).

كون الفعل قد ورد في صيغة الماضي مرتبطاً بتاء المتكلم فهذا يعني أن خطاب الشاعر يحمل رسالة موجَّهة، لها أكثر من شفرة، ولها أكثر من متلقٍّ. فصيغة الفعل الماضي هنا هي من النوع الدّال على الحاضر والمستقبل أيضاً، وذلك لتمام وكمال حالة "الملل" وسيطرتها على المتكلم بحكم هذا التكرار المستمرّ لذات الفعل على طول القصيدة وليس فقط في هذا الجزء الأول. أما عن تعدّد وحدة المُرسَل إليه، فيقصد بها أن رسالة الشاعر موجهة أولاً إلى نفسه، وثانياً إلى القارئ العادي، وثالثاً إلى متلقٍّ آخر هو الدارس والباحث الناقد. وكل هذه الصور يمكن تجسيدها كما يلي:

الباث        الرسالة           المتلقّي رقم 1

أنا            الرسالة           أنا

 

أما الدّال على هذا التمازج الحاصل بين الشاعر وذاته المتلقّية فإنه يوجد في الجملة الأخيرة من القصيدة كاملة:

"ومللتُ منّي: أنا الملولُ العظيم!"

أي أنّ الشاعر بعد أن استعرض كلّ المظاهر التي جلبت له داء الملل قفل دائرة الشكوى بتوجيه الخطاب إلى نفسه باعتباره العين الراصدة لكل ما يحيط به من آفات ومظاهر لا تبعث في النفس سوى التعب من الحياة والسأم منها. وهذه الطريقة في ختم القصيدة يسميها أهل المسرح ب "النهاية المفاجئة" أي (A plot twist)، إذ أنّ القارئ لا يتوقع أبداً من الشاعر بعد كل هذا الصّبر والنفس الطويل في سرد كل دواعي (الملل) أن يوجه الرصاصة إلى نفسه، ثم يضم نفسه إلى لائحة الأشياء الباعثة على الملل فيصبح هو أيضاً سبباً من أسباب السأم، وهذا ما يجعل الدارس يتساءل عن سبب هذا التحوّل المفاجئ وهذه الرصاصة غير المتوقعة. وهو أمر سيُلقى عليه الضوء في الأسطر القادمة من التحليل والتفكيك.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى، فإنه تمكن الإشارة إلى تقنية إيصال الرسالة إلى المتلقّي الثاني وفقا للطريقة التالية:

 

 

 

 

الباث        الرسالة                    المتلقّي رقم 2

الشاعر      الرسالة                    القارئ

 

إنّ التفاعل المقصود هنا بين الشاعر والمتلقّي (رقم 2 ) هو تفاعل كامن وضمني، وهو قائم أساساً على عملية استحضار المتلقّي (المرسل إليه) من طرف الشاعر (الباث) لحظة كتابته القصيدة، وهذه العلاقة التفاعلية هنا هي من نوع الأنظمة التي تشتغل من ذاتها (systèmes autoréglès). أي أنّ الشاعر يُخبر المتلقّي من خلال نصّه فيُثير لديه مجموعة من ردود الأفعال التي تعمل على انبثاق معطيات جديدة تتوالد إلى ما لانهاية، ذلك لأنّ هذه الأخيرة كامنةٌ سواء داخل النّص أو خارجه. لكن حصر النّص في هذا النوع من التفاعل وحده يظل أمراً غير ذي وزن لأنه سيشلُّ عملية القراءة ويحصرها في مجرد تأويلات يمكن أن يعطيها القارئ إلى "آفة الملل" حسب وجهة نظره على ضوء ما يحمل من تقاليد فنية وقيم تاريخية وأخرى دينية وما إلى ذلك من الاعتقادات أيّاً كان نوعها. لذا وجب طرح السؤال التالي: هل من تفاعل متنوع ومتعاقب وممتد عبر التاريخ يسمح للقارئ ألا يكتفي فقط بتفاعل يضمن له الاستجابة البديهية للنّص ولمكوناته بل تعدّيها إلى خلق طاقة تفاعلية تُعطي للقصيدة من جهة قيمتـَها الفنية وتُبلوِرُ من جهة أخرى أجهزةً جديدة ترمي إلى تفسير الأبيات وتأويلها؟

هذا النوع من التفاعل لا يمكن تحقيقه إلا عبر القارئ الدارس أو الناقد كما توضحه المخطوطة التالية:

الباث        الرسالة                    المتلقّي رقم 3

الشاعر      الرسالة                    الناقد

هذا النوع من المتلقّي سوف لن يكتفي بهذا النّص فقط ولكنه سوف يسعى إلى دراسة التجربة الشعرية والأدبية للشاعر حتى يتقصّى معاني إشكالية (الملل) لدى أديب كمال الدّين، ويبحث عن أثرها في نصوص ودوواين أخرى علّها تُعطيه مفاتيحَ تُمكّنه من التقرب إلى الجوهر، أو على الأقل محاذاته، فمنْ يدري ربما يكتشفُ أنّ الشاعرَ قد ملّ حتى من القارئ أو من الدّارس والناقد نفسه، أليس هو من قال في الجزء الأخير من هذه القصيدة: " مللتُ منكَ أيّاً تكون/ وأينما تكون"!

هذا ما تمّ حصادُه بعد ضربات عديدة من معاول ومناجل التمحيص والتفكيك في حقل البنية الخاصة باستخدام الشاعر لفعل (ملّ) وتكراره على مرّ أجزاء القصيدة. ماذا الآن عن المجالات الخاصة بالأفعال الأخرى؟

 

الحقل الخاص بالأفعال الأخرى

سيتمّ التركيز على الأفعال الخاصة بحركة الدببة والقردة كمثال لتقنية استخدام الصورة الحيوانية في الكثير من نصوص أديب كمال الدّين:

ـ (تأكل):

" مللتُ من النظر إلى الدببة

وهي تأكل بشراهة

من عطايا دبّها الكبير"

قرن الشاعر فعل الأكل بالدببة وبصورة الشراهة. والمقطع الخاص بهذا الفعل على الرغم من قصره والاختزال الشديد لعباراته وتركيباته فهو يشكل لقطة أو صورة كاملة ومكتملة العناصر التي يمكن إدراج أهمها حسب ترتيب ظهورها في هذا المقطع كما يلي:

ـ الشاعر الملول

ـ الدببة الشرهة

ـ الدب الكبير

لكن قبل الاستمرار في تفكيك بنية هذه الصورة، هناك سؤال مهم لابدّ من طرحه:

ما للشاعر والدببة؟

على الرغم من أنّ تاريخ الأدب العربي حافل بالقصص والأشعار التي تمّ فيها استخدام تقنية الحكي على لسان الحيوانات وأسلوب استعارة الصورة الحيوانية بغرض تمرير العديد من الأفكار والخطابات ذات الطبيعة التاريخية أو السياسية بأقل الخسائر الممكنة، إلا أنه لم يتمّ الاعتناء كثيرا بصورة "الدب" في العديد من نصوص الشعراء والأدباء قدماءَ كانوا أو محدثين، ولربما هذا مردّه إلى ارتباط الصورة الرمزية لهذا الحيوان بالبيئة الغربية أكثر منه بالبيئة العربية، لذا فورود اسم "الدب" في هذا المقطع قد تكون له دلالة رمزية خاصة يمكن استكناه فحواها دون الابتعاد عن النّص وذلك عبر الاشتغال على صور المقطع ذاته ودراسة المسافات الفاصلة بين شخصياته:

الصورة رقم 3

كما يوضح هذا المثلث، الذي يبدو أنه مثلث سلطة سيتم الإفصاح عن طبيعتها في الأسطر القادمة، فإن الشاعر في الوسط يقوم بدور الشاهد الذي ملّ من "الدب" الرئيس ودببته النهمة التي لا همّ لها سوى انتظار عطاياه مقابل خدمتها وولائها ومبايعتها المتجددة له.

القراءات المتعددة لرمزية "الدب" في النّصوص الغربية وخاصة منها المرتبطة بالأساطير البريطانية والهولندية تؤكد بأن لهذا الحيوان أكثر من دلالة مرتبطة خاصة بالطبيعة الذئبية والظلماتية للنفس البشرية، لكن بالإضافة إلى معنى الذئبية، هناك دلالة أخرى لا يمكن التغاضي عنها ولربما هي الأكثر توافقاً مع ما ورد في هذا المقطع باعتبار علاقتها الوطيدة بمفهوم السلطة العسكرية التي غالبا ما تكون في صراع وتطاحن قاتل مع رجال علوم اللاهوت وفلاسفتهم وشعرائهم[64] وهذه الأطروحة تجد صداها في ديواني (جيم)[65] و(ما قبل الحرف.. ما بعد النقطة)[66]، إذ تكفي قراءة قصيدة (مطر أسود.. مطر أحمر)[67]، كي يُصدم القارئ بهول ما ارتكبه "صاحب الجند"، أو "الدب الكبير" الذي كان يقود العديد من الجنود بما فيهم "الشيوخ"[68] والشعراء إلى الحرب ويدعوهم إلى القتل والنهب وسفك دماء الجيران "النائمين في العسل". فالصورة إذن هي صورة حرب، فيها الموت والدم والغنائم التي تصبح "عطايا" يوزعها "الدب الكبير" على "دببته الشرهة".

ويعود رمز (صاحب الجند) للظهورفي نص آخر هو (شعراء الحرب) الذين فرّوا إلى مشارق الأرض ومغاربها حين ألقى البحّارةُ أصحابُ العيونِ الزرق القبض على صاحب الجند هذا، حيث فرّ كبير شعراء الحرب إلى بلادِ الظلام وفرّ صغيرهم إلى بلادِ الضباب، والثالثُ إلى بلادِ الواق واق، والرابعُ إلى بلادِ الأسكيمو، والخامسُ إلى بلادِ الراياتِ السود، والسادسُ إلى بلادِ الراياتِ الصفر والسابعُ إلى بلادِ الفلافل، والثامنُ إلى بلادِ القلاقل، والتاسعُ إلى بلادِ العماليق والعاشرُ إلى بلادِ المنجنيق. وهكذا انتشرت جرثومةُ الحرب في أرضِ اللهِ كلها!"[69]

توضّحت الرؤيا الآن وخرج الشاعر هنا في مقطع (الدببة الشرهة وصاحبها الدب الكبير) بزي الرجل العسكري الذي ملّ من كل هذا الظلم والطغيان، ومن هذه الألوان المُغرقة في السريالية العجيبة داخل مثلث السلطة المجنون بكل تشكلاته وتمظهراته سواء تلك التي لها علاقة بالرغبة الذئبية النارية الدموية أو تلك التي تدور في فلك القوة البطشية الحديدية، ولا أدلّ على ذلك ما ورد في نص الشاعر الجديد الموسوم (مثلثات) والذي يقول فيه مشيرا إلى داء السأم والملل مرّة أخرى:

"على مائدةِ الخوف

أرى مثلثَ السُلْطة:

رأسه إلى الأعلى،

ومثلثَ الرغبة:

رأسه إلى الأسفل،

ومثلثَ القوّة:

رأسه إلى اليمين،

ومثلثَ العبثِ والسأم:

رأسه إلى اليسار."[70]

 

ـ ( تتسلق/ ترمي/ تملأ)

 

"ومن القردة

وهي تتسلّق، كلّ يوم، الأشجار

لترمي الثمار

وتملأ الهواء صراخاً وزعيقاً"

في فعل التسلق إذن نوع من الوصولي